غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٨ - الرّابع انه قد علم حرمة الانتفاع بالنجاسات العينية بالأكل و الشرب و اباحة اتخاذها لعلف الدواب و إطعام الجوارح
و لا إشكال في ان الحكم هو الأول و انما الكلام في وجه الفساد فنقول اما على ما نراه نحن فهو ان النواهي المتعلقة بأمثال العقود المذكورة للإرشاد إلى الفساد فتكون الحرمة متولدة منه كما انه قد يكون الفساد متولدا من الحرمة و اما من لم يلتفت الى هذا المسلك فاستند كل طائفة منهم في الحكم بفساد العقد الى وجه فمنهم من استند فيه الى الإجماع على فساد العقود التي وصفناها لك و منهم من استند في ذلك الى ظواهر الاخبار كخبر تحف العقول حيث قال فيه أو شيء من وجوه النجس فهذا كله حرام محرم لان ذلك منهي عن اكله و شربه و لبسه و إمساكه و التقلب فيه فجميع تقلبه في ذلك حرام و النبوي ان اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه و منهم من استند في ذلك الى انا و ان لم نقل بأن الحرمة تستفاد من الاخبار الخاصة الخارجية بل قلنا باستقادتها من نفس النواهي المتعلقة بعنوان الاكتساب و ان لم نقل بكون تلك النواهي للإرشاد بل قلنا بكونها للتحريم لكنا نقول ان تلك النواهي تعلقت بجميع آثار المعاملة التي تعلقت بها و النهى عن جميع الآثار يقتضي الفساد لشيء من وجهين أحدهما ان المعاملة بدون ترتب الآثار تعود سفهية و المعاملة بهذا الوصف فاسدة و ثانيهما ان النهى عن جميع الآثار يستلزم الفساد في نظر أهل العرف و ان لم تكن هناك ملازمة عقلية واقعية إذ يمكن عقلا ان يكون المبيع قد انتقل إلى المشترى و يكون الثمن قد انتقل إلى البائع و لكن لا يجب تسليمه المبيع إلى المشتري مثلا و لا ملازمة بين مالكية رجل و بين وجوب الدفع اليه الا ترى ان المحجور عليه من التصرف في ماله السفه و نحوه مالك و لا يجب تسليم ماله و الملازمة العرفية كافية و منهم من استند في ذلك الى ارتفاع مقتضى الصحة لكن ذكر ان هذا في بعض الموارد و هو المولى المحقق البهبهاني (رحمه الله) حيث فصل بين ما لو كان مقتضى صحة المعاملة منحصرا فيما يناقض التحريم مثل أحل اللّه البيع فان الحل يناقض التحريم و بين ما لو كان مما لا يناقض التحريم بان كان لمجرّد بيان الحكم الوضعي مثل قوله (عليه السلام) إذا التقى الختانان وجب المهر و قوله (عليه السلام) الصّلح جائز بين المسلمين فحكم بالفساد عند تعلق النهي في الأول لارتفاع مقتضى الصّحة بما يناقضه بخلافه في الثاني فإن ما لا يناقض التحريم من مقتضى صحته لا يرتفع بالنهي (فحينئذ) لا تبطل تلك المعاملة و هذا الكلام و ان أورد عليه بعض من تأخر بأن مثل قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مما هو مقتضى الصّحة ناظر الى ترتيب الآثار و كذا قوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ نظرا الى ان حل البيع الذي حكم به الشارع معناه حله على الوجه المتعارف بين الناس و (حينئذ) نقول لا منافاة بين ترتيب الأثر على العقد بل ترتيب جميع الآثار عليه و بين حرمة نفس العقد و لكن الإنصاف ان هذا الوجه غير وارد عليه لان حله و الوفاء به إذا كان عبارة عن ترتيب جميع الآثار و ان شئت قلت على الوجه المتعارف فالنهي عنه ايضا يتوجه اليه بذلك الاعتبار و يكون عبارة عن النهى عنه بجميع اثاره فتدبر
الثالث انه قال بعض الأساطين فيما لو علم أحد المتبايعين يكون المبيع من الأعيان النجسة
كما لو علم ان اللحم مما لم يدك و اعتقد الأخر بكونه من قبيل الطاهر ان البيع يبطل (حينئذ) و استند في ذلك الى وجهين أحدهما ان البيع و غيره من العقود من قبيل ما هو سبب واحد و السّبب الواحد لا يتبعض في التأثير سواء كان هو العقد أم غيره و ثانيهما العمومات الدالة على تحريم بيع الأعيان النجسة أو خصوص العذرة مثلا و هي شاملة لما إذا علما جميعا بكون ما وقع عليه البيع من الأعيان النجسة أو العذرة مثلا و ما إذا لم يعلم واحد منهما و ما إذا علم أحدهما دون الأخر خرج عن عنوان العمومات الدالة على التحريم ما إذا لم يعلم أحد منهما و بقي الباقي تحت عنوانها و لا يخفى ما في الوجهين اما الأوّل فلان عدم جواز تبعض العقد الواحد في التأثير ان أريد به مثل خروج المبيع عن ملك البائع و عدم دخوله في ملك المشترى بأن يكون تأثير العقد ذلك أو مثل خروج المبيع عن ملك البائع و عدم دخول ثمنه في ملكه فهو صحيح الا ان مثله هنا غير لازم لان العقد ممضى في حق غير العالم تماما بمعنى انتقال ماله الى صاحبه و بالعكس بحسب (الظاهر) فجواز العقد و صحته (حينئذ) من الأحكام الظاهرية في حقه و غير ممضى في حق العالم تماما بمعنى عدم انتقال ماله الى صاحبه و عدم انتقال مال صاحبه إليه في الواقع و لا مانع من تخالف الحكم الواقعي و الحكم الظاهري و له موارد في الفقه و منها ما لو أقرت المرأة بزوجية رجل و أنكر هو فيمضي في حق كل منهما مقتضى إقراره و ان أريد به عدم جواز تخالف مقتضى العقد باعتبار المتعاقدين أو غيرهما من مقومات العقد و لو بحسب اختلاف الحكم الواقعي و الظاهري فهو ممنوع و لا يلتزم به مثله لان ذلك ينشأ من الغفلة عن مقتضى الحكم الواقعي و الظاهري و لا يصدر من مثله و اما الثاني فلان عمومات تحريم بيع النجس أو العذرة مثلا ليست إلا كسائر خطابات الشرعية مسوقة البيان الحكم الواقعي و الحكم الجاري على جهلهما أو جهل أحدهما ليس الا من الأحكام الظاهرية التي لا تندرج في مؤدى الخطاب بالأحكام الواقعية و ليس الوافي ببيان اعتبار الأحكام الظاهرية الا أدلتها فلا تدخل في أدلة الأحكام الواقعية
الرّابع انه قد علم حرمة الانتفاع بالنجاسات العينية بالأكل و الشرب و اباحة اتخاذها لعلف الدواب و إطعام الجوارح
لكن على كراهة قال في المستند يجوز سقى الدواب و إطعامها المسكر و سائر المحرمات و المتنجسات على الأصحّ الأشهر للأصل و العمومات و حصر المحرمات و عدم الدليل على التحريم نعم يكره ذلك لروايتي أبي بصير و غياث المصرحتين بأنه يكره ذلك و عن القاضي تحريمه و لعله لحمل الكراهة في الخبرين على الحرمة و لا وجه له بعد كونها أعم بحسب اللغة انتهى و هل يجوز إطعامها للأطفال و المجانين و غير العالمين بنجاستها و بعبارة أخرى إطعامها لمن من شانه التكليف نوعا و ليس بمكلف فعلا و هم أفراد الإنسان الغير المتوجه إليهم الخطاب بالاجتناب عن النجس بالفعل فمنعه رئيس الفقهاء في في عصره على ما حكى عنه نظرا الى ان إطعامها لمن عرفت من الصنف يقتضي إطعامها لعياله من حيث لا يعلمون و كذا غيرهم من المسلمين و غيرهم فينفتح باب مباشرة النجاسات و قد تعلق غرض الشارع بالتجنب عنها فيتحقق خلاف غرضه و في المستند في الباب الرابع من كتاب الأطعمة و الأشربة ما لفظه المعروف في كلامهم كما في الكفاية انه يحرم سقى الأطفال المسكر و يدل عليه روايتا عجلان إحديهما من سقى مولودا مسكرا سقاه اللّه من الحميم و ان غفر له و الثانية قال اللّه (عز و جل) من شرب مسكرا أو سقاه صبيا لا يعقل سقيته من ماء الحميم معذبا و مغفورا له و رواية أبي الربيع الشامي و فيها بعد السؤال عن الخمر و لا يسقيها عبد لي صبيا صغيرا أو مملوكا إلا سقية مثل ما سقاه من الحميم يوم القيمة معذبا بعد أو مغفورا له ثم قال و هل يختص ذلك بالمسكر أو يتعدى الى سائر المحرمات ظاهر المحقق الأردبيلي (رحمه الله) الثاني حيث قال هنا و الناس مكلفون بإجراء أحكام المتكلفين عليهم انتهى ثم قال (رحمه الله) و في ثبوت ذلك التكليف للناس (مطلقا) نظر و لا يحضرني الآن دليل على التعميم الموجب لتخصيص الأصل و اللّه سبحانه هو العالم انتهى أقول لا ريب في ان للخمر امتيازا عن غيرها من النجاسات و المتنجسات لاشتمالها على مفاسد مبغوضة في نظر الشارع و اما بالنسبة إلى غيرها فتوضيح المقال انه ذكر بعض مشايخنا انا لو سلمنا حرمة إطعام من عرفت فإنما نسلمها بالنسبة إلى النجاسات الأصلية دون المتنجسات و أنت خبير بأنه لا سبيل الى هذا التفصيل لأنه إن لوحظ غرض الشارع فلا فرق بالنظر اليه و بين النجس بالذات و المتنجس بالعرض في حرمة التناول اختيارا و مبغوضيته و ان لوحظ بالنسبة إلى الأدلة فليس هناك دليل يوجب حرمة إطعام النجس الأصلي لمن عرفت دون المتنجس بالعرض الا ان يقال ان وجوه النجس عبارة عن النجاسات الأصلية دون العرضية و ان إطعامها الغير تقلب فيه من المطعم و لا يخلو استفادته من اللفظ عن خفاء لان التقلب لا بد في صدقه من صدق نوع تصرف في العرف و لهذا نقول ان إيقاد العذرة و الميتة مثلا في الأتون و في كورة الجص أو الأجر ليس تصرفا و لا انتفاعا بل هو إتلاف نعم قد ذكر (المصنف) (رحمه الله)