غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٨ - الرابع يجوز الانتفاع بالدهن المتنجس في غير الاستصباح
لا يخفى على من تدبر في كلام الشيخ (رحمه الله) سقوط الإيراد الأول لأن الشيخ لا يحكم بنجاسة الدخان المذكور حتى يورد عليه بان الحق طهارته مضافا الى ان الحكم بالاستحالة لا وجه له لان تحقق الاستحالة في جميع اجزاء الدخان غير معلوم ان لم ندع عدمه بالوجدان كما لا يخفى على من تدبر في حاله و لهذا ترى ان الجرم الحاصل منه إذا اتخذ ليصنع منه الخبر يوضع في قرطاس فيطلي بالعجين و يوضع على حجارة في التنور فينجذب منه الدهن الى القرطاس و قد أجاد (المصنف) (رحمه الله) في التعبير حيث قال إذ قد لا يخلو من اجزاء لطيفة دهنية فإن معناه ان جميع اجزائه لم تستحل بل منها ما هو مستحيل و منها ما هو غير مستحيل و قد اختلطا كما أجاد الشهيد (رحمه الله) في الإشارة إلى الأمرين اللذين ذكرناهما في رفع الإيراد الأول حيث قال في كتاب الأطعمة من غاية المراد ما نصه و اما دخان هذا الدهن و سائر دخان الأعيان النجسة فقد نص الشيخ (رحمه الله) و ابن إدريس (رحمه الله) و المحقق (رحمه الله) انه طاهر لاستحالته و ادعى عليه ابن إدريس (رحمه الله) إجماعنا لاستحالته و خروجه عن مسمى النجس و النهى عنه تحت الظلال لا نعرف علته و قال الشيخ في (المبسوط) على القول بتحريم الاستصباح تحت الظلة بكون الدخان نجسا ثم قوى عدم النجاسة و (المصنف) (رحمه الله) في المختلف نفى بعد القول بنجاسة هذا الدخان لبعد استحالته كله بل يلزمه تصاعد شيء من اجزائه قبل احالة النار لها بسبب السخونة المكتسبة من النار الى ان يلقى المظل فينجسه ثم قوى الجواز (مطلقا) الا ان يعلم أو يظن بقاء شيء من عين الدهن فيحرم تحت الظلال انتهى ما في غاية المراد و قوله (رحمه الله) بنجاسة هذا الدخان حيث اتى باسم الإشارة يتضمن نكتة و هي اختصاص النجاسة بدخان الادهان دون سائر أقسام الدّخان من دخان الأعيان النجسة فإنها طاهرة قطعا و عندي ان التفصيل بين دخان الدّهن و دخان غيره في كمال القوة لتحقق الاستحالة في غير الدهن و عدم تحققها في الدهن كملا من حيث اشتماله على اجزاء لطيفة دهنية بل لو شك في تحقق الاستحالة جرى استصحاب عدمها ثم ان الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) ذكر بعد كلامه الذي قدمنا ذكره ما يظهر منه بعض ثمرة البحث عن طهارة الدّخان و نجاسته قال (رحمه الله) فإذا ثبت هذا فمن قال الدّخان ليس بنجس فلا كلام و من قال نجس فان علق بالثوب منه شيء فان كان يسيرا كان معفوا عنه كدم البراغيث و ان كان كثيرا وجب غسله فاما إذا سجر التنور بالأعيان النجسة و تعلق بوجه التنور دخانه فان كان نجسا فلا يخبر عليه حتى يزال بمسح أو غيره فان خبر عليه قبل المسح كان ظهر الرغيف نجسا و وجهه طاهر فلا يحل اكله حتى بغسل ظهره و على ما قلناه يسقط عنا جميع ذلك انتهى و هو كلام جيد لو لا قوله فان كان يسيرا كان معفوا عنه كدم البراغيث
قوله و لو رجع الى أصالة البراءة (حينئذ) لم يكن الا بعيدا عن الاحتياط
أقول لا ريب في حسن الاحتياط و اما وجوبه فلا مجال له مع عدم قيام الحجة و لو كان الحكم مشهور الان الشهرة لا حجة فيها
قوله لإبائها في أنفسها عنه و إباء المقيد عنه
اما إباء الروايات في أنفسها عن التقييد فلكونها مع كثرتها و ورودها في مقام البيان ساكتة عن هذا القيد و اما إباء المقيد عن التقييد فلابتناء التقييد اما على نجاسة دخان المتنجس المخالفة للمشهور و اما على كون الحكم تعبدا محضا و هو بعيد
قوله ثم ان العلامة (رحمه الله) في (المختلف) فصل بين ما إذا علم بتصاعد شيء من اجزاء الدّهن و ما إذا لم يعلم فوافق المشهور في الأول
يعني في الحكم بحرمة الإسراج به تحت السقف و قد عرفت مما حكيناه من عبارة غاية المراد ان العلامة (رحمه الله) جعل الظن بتصاعد الشيء من اجزاء الدهن كالعلم به في الحكم و لم يذكره (المصنف) (رحمه الله) فيرد على اعتبار الظن انه لا دليل على اعتباره
قوله و الا لكان الاولى تعليل التعبد به
اى بعدم حرمة التنجيس و إرجاع الضمير المجرور بالباء في العبارة إلى حرمة التنجيس باعتبار عدمها لا باعتبار وجودها
[الرابع يجوز الانتفاع بالدهن المتنجس في غير الاستصباح]
قوله أو يطلى به الأجرب أو السفن
وجدت في نسخة معتبرة من الخلاف مصححة على نسخ معتبرة انه ضبط السفن بفتحتين فان الشيخ (رحمه الله) ذكر فيه انّه روى عن جابر انه سمع رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) عام الفتح بمكة يقول ان اللّه و رسوله حرم بيع الخمر و الميتة و الخنزير و الأصنام فقيل يا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أ فرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن و يدهن بها الجلود و يستصبح بها الناس فقال لا هو حرام ثم قال قائل اللّه اليهود ان اللّه لما حرّم عليهم شحومها حملوها ثم باعوها فأكلوا ثمنها و كتب في هامش الكتاب نقلا عن الصّحاح ان السفن جلد خشن كجلود التماسيح يجعل على قوائم السيوف انتهى قلت هذا المعنى و ان كان يبعده ذكر الجلود بعد السفن في الحديث الا انه لا مبعد عنه في عبارة (المصنف) (رحمه الله)
قوله و الذي صرح به في مفتاح الكرامة هو الثاني
قال فيه بعد ان حكى ان لك ان مقتضى تعليل الاعلام في الخبر بالاستصباح الاعلام بالحال و البيع لتلك الغاية ما لفظه قلت و هو الذي يقتضيه الأصل إذ الأصل عدم الانتفاع فيقتصر فيه على موضع اليقين انتهى
قوله و وافقه بعض مشايخنا المعاصرين
هو صاحب الجواهر (رحمه الله) قال في ذيل الكلام على ما أرسله الشيخ (رحمه الله) من الاستصباح بالدهن المتنجس تحت السماء ما لفظه فيمكن التقييد بالمرسل المزبور بعد انجباره بما سمعت و بأصالة عدم جواز الانتفاع بالنجس فضلا عن التكسب به الى أخر ما قال
قوله و البذر
بالذال المعجمة لا الزاي قال في مجمع البحرين من كلام الفقهاء الثقل في البدر عيب هو يفتح الباء و كسرها مفسر بدهن الكتان و أصله محذوف المضاف اى دهن البذر انتهى
قوله و لكن الأقوى وفاقا لأكثر المتأخرين جواز الانتفاع الا ما خرج بالدليل
و ممن صار الى ذلك المحقق الأردبيلي (رحمه الله) حيث قال الظاهر عدم اختصاص الجواز بفائدة الاستصباح بل يجوز جميع الانتفاعات ما لم يكن دليل على تحريمه مثل الاستعمال فيما يشترط فيه الطهارة و يجوز صرف الزيت النجس في الصابون و ادهان الحيوانات كما صرح البعض بل الإنسان ثم تطهير البدن للأصل و عدم الدليل على المنع و للإشعار في هذه الاخبار الى ذلك حيث ما نفى غير الأكل و ان جواز الاستصباح لعدم شرط الطهارة و لعدم الفرق بل الاستعمال في نحو الصابون و ادهان الحيوانات و استعمال الجلود و الخشبات؟؟؟ و غيرها أبعد من شبهة وصول دخانه النجس إلى الإنسان المنتفع بضوئه و لهذا ترى وجود الدخان في الدماغ لو جلسنا عند السرج قريبا خصوصا في بيت ضيق و لعل هذا هو سبب المنع عن تحت السقف لا التعبد إذ لا نص بل مجرد الاجتهاد على ما يظهر فانّ (الظاهر) جواز سائر الانتفاعات في سائر المتنجسات الا فيما ثبت عدم الاستعمال بإجماع و نحوه كما في النجاسات العينية (مطلقا) حتى في إليه الميتة و ان أبينت من حي على ما قالوا و ان نقل عن (المصنف) (رحمه الله) الشهيد (رحمه الله) جواز الاستصباح بها تحت السماء كغيره فلا إجماع و شمول الأدلة له غير ظاهر و العقل و الأصل يجوزه فيه و في المتنجس فيما لا يشترط فيه الطهارة انتهى
قوله و يدل عليه أصالة الجواز و قاعدة حل الانتفاع بما في الأرض
و يؤيد ذلك ما ورد في موارد خاصة كجواز الاستقاء يشعر الخنزير و نحوه لغير مشروط بالطهارة و لو بالفحوى لكونه من الأعيان النجسة و تجويز الصبغ بالمتنجس في ظاهر كلام جماعة و ان احتمل المحقق الثاني (رحمه الله) ان يكون من جهة ان له حالة يقبل فيها التطهير لانه ليس في محله لان ما يقبل التطهير انما هو الثوب المصبوغ به لا نفس الصبغ فلا ينفع ذلك في تجويز استعماله بنفسه و كذا في بيعه نعم لو قلنا بان نفس الصبغ يقبل التطهير باتصاله بماء مطهر له أو بمزجه به و ان صار مضافا نظرا الى ان الماء في حال وصوله الى اجزاء الصّبغ ليس مضافا فهو مطهر غاية ما في الباب انه تعرضه الإضافة بالامتزاج و ليس بقادح لانه مسبّب من الامتزاج متأخّر عنه (فحينئذ) يصير ممّا له حالة يقبل فيها الطهارة أغنى ما بعد الاتصال أو الامتزاج و يؤيد ذلك ايضا ما سيجيء في كلام (المصنف) (رحمه الله) عن الشهيد (رحمه الله) من ورود الرواية ببيع الدهن لمن يعمله صابونا إذ لو لا جواز الانتفاع بجعله صابونا كان البيع عليه اعانة على الإثم و بيعا لغاية محرمة فكان اللازم حرمته فان قلت لعل جواز بيع الدهن لما ذكر مبنى على ان له حالة يقبل فيها التطهير فيخرج عن محل الكلام و هو الانتفاع بالمتنجس و ذلك لان الدهن إذا كان متنجسا فعمل صابونا و كذا اللبن إذا تنجس فعمل جبنا صارا متنجسين لكنهما