غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٥٣ - المسألة الثانية جوائز السلطان و عماله و صور المسألة
من دليل الشرع انما هو ذلك و لعدم حكم العقل في المفروض بأزيد منه أقول قد عرفت انّه قد يكون قابض الجائزة عند دفعها اليه عالما بالحرمة و قد لا يكون (حينئذ) عالما بها لكن يحصل له العلم بها بعد القبض امّا في الصّورة الأولى فإن قبضها بنية التملك كان غاصبا ظالما حكم العقل برفع ظلمه عن صاحب المال فورا فهيهنا نسلّم ما ذكره و ان قبضها بنية إيصالها إلى صاحبها لم يكن ظالما أو لا يحكم عليه العقل بان يترك أشغاله المهمة كالأكل و الاستحمام و يتعب نفسه بالعدو و نحو ذلك و انما يحكم بالاهتمام في أمر ذلك المال بان لا يفعل ما يكون فعله خيانة عادة و لا يترك ما يكون تركه خيانة (كذلك) و اما انه يلزم عليه ان يضرّ نفسه أو يحرج عليها حيث أقدم على استنقاذ مال المظلوم فهو ممنوع بل المعلوم خلافه و امّا في الصّورة الثانية فإن قصد البقاء على تملكه كان حكمه كالقسم الأول من الصّورة الأولى لأنه ظالم (حينئذ) من جهة إقدامه على ما يحرم عليه الاقدام و ان عليه قصد بمجرد العلم رده الى صاحبه و لو على مقتضى الإمكان عادة فالحكم (حينئذ) كالقسم الثاني من الصّورة الأولى فنمنع حكم العقل بالفور الحقيقي و كلام (المصنف) (رحمه الله) انّما هو في الصّورة الثانية كما لا يخفى على من لاحظ كلامه من أول المسئلة الى هنا و عبارته هذه أيضا تعطى ما بيّناه لان قوله بعد العلم بغصبيتها طاهر في طرو العلم بها و تمسّكه بعدم الخلاف دون حكم العقل يؤيد ذلك فاستدراكه سقوط وجوب الفور بإعلام صاحبه به يؤيدهما إذ لا معنى لحكم العقل على عنوان بحكم و حكمه بسقوط ذلك الحكم و تبدله بآخر من دون حدوث تبدل في العنوان فنحن نلتزم في قسمي الصورة الثانية بوجوب الفور من جهة تسالم الأصحاب عليه لا من باب حكم العقل فيهما بل حكمه منحصر في أحدهما و لا نقول بسقوط وجوب الفور بإعلام صاحبه في مورد حكم العقل به و انما نقول به في مورد حكم الشرع و ذلك لانه و ان كان حكم الشرع أيضا في أحد قسمي الصورتين موجودا الا ان حكم العقل نص و حكم الشرع ظاهر و النص مقدم على الظاهر و الظاهر عدم الخلاف في غير ما حكم العقل فيه بوجوب الفور من قسمي الصورتين من جهة وجوب الفور و لا نلتزم (حينئذ) بأزيد من الفور العرفي
قوله و ظاهر أدلّة وجوب أداء الأمانة وجوب الإقباض و عدم كفاية التخلية الا ان يدعى انها في مقام حرمة الحبس و وجوب التمكين لا تكليف الأمين بالإقباض
لا ريب في انه لو أنعم الجائر على غيره بدار أو حمام أو بستان أو حانوت أو دكان و نحوها كان ردها الى مالكها عبارة عن التخلية بينه و بينها و كان عدم التعرض لذلك انما هو لوضوحه و ان بحثهم عن انّه يجب الإقباض أو يكفي التخلية انما هو بالنسبة إلى المنقولات و (الظاهر) انسياق أدلّة أداء الأمانة من الآيات و الاخبار لبيان حرمة الحبس و وجوب التمكين لا تكليف الأمين بالإقباض و لا أقل من عدم الظهور في إثبات التكليف بالإقباض فيرجع الى أصالة البراءة عنه حيث انّه تكليف لم يعلم ثبوته ثم ان قلنا بأنّ الواجب انّما هو الرّد و توقف على الأجرة فتفصيل القول فيه انك قد عرفت ان حال القابض يتصور على وجهين الأوّل ان يكون في حال القبض عالما بكون الجائزة حراما بعينها و قد تقدم ان حكمه (حينئذ) حرمة القبض المستتبعة للإثم إلا بنية الرد من باب الحسبة و وجوب الردّ على المالك أو من يقوم مقامه فلو احتاج الردّ إلى أجرة وجب على القابض بذلها لأنه إذا وجب الرد وجب مقدمة التي هي بذلك الأجرة و لو كانت مالا كثيرا يزيد على أضعاف قيمته بل صرّح بعضهم بأنه يجب عليه الرد و لو توقف على تلف النفس و ان كان هذا لا يخلو عن تأمل و تحقيقه في كتاب الغصب إنشاء اللّه تعالى و اما في صورة القبض بنية الرد من باب الحسبة فلا يجب عليه بذل الأجرة لأنه محسن فلا يكلف بنقله الى المالك بل يبقى في يده أمانة شرعية و إذا لم يجب أصل النقل لم تجب مقدمته نعم يجب عليه اعلام المالك بذلك حتى يأخذه ثم انّه لو توقف الاعلام على الأجرة كما لو كان في بلد بعيد لا يمكن اعلامه الا بتوجيه ساع و نحو ذلك احتمل سقوط الوجوب فيدفع المال الى الحاكم الشرعي لأنه لم يقصد إلا الإحسان فلا يوجه اليه الضرر من جانب الشارع و احتمل بقاء الوجوب حذرا من لغوية أخذه إذ لا فرق بينه و بين الجائر (حينئذ) في عدم وصول المال الى صاحبه و (حينئذ) فيمكن ان (يقال) بوجوب دفع الأجرة عليه لانه قبض مال الغير عالما بكونه مال الغير و انه يجب عليه الإيصال و يمكن ان (يقال) انّه يخبر الحاكم الشرعي حتى يؤدى من بيت المال ان قلنا بأنه لا يختص بالمصلحة الّتي تكون بعد حصولها عامة لجميع المسلمين و يحتمل ان يفصل بين ما لو علم بان اخبار المالك يحتاج إلى أجرة فيجب عليه دفعها لتعمّده ذلك و الا لم يكن فرق بينه و بين الغاصب و بين ما لو لم يعلم فيحكم بشيء من الوجوه السّابقة و لو قلنا في سائر أقسام الأمانة الشرعية مما لم يقدم المكلّف إلى إحرازه باختياره كالثوب الذي حملته الريح الى داره بسقوط وجوب الاعلام لو توقف على الأجرة لم يلزم من ذلك سقوطه هنا و الفرق تحقق الاقدام اختيارا هنا دون ذاك الثاني ان يكون في حال القبض جاهلا بكونها محرمة بعينها و يعلم بذلك بعد القبض و لا إشكال في انتفاء الحرمة عن قبضه لكن يجب عليه الرد ثم انّه يجب عليه بذل الأجرة لو توقف عليه و هل يرجع بها على دافع الجائزة إليه قال في الجواهر نعم لانه غرّه بذلك حيث كان جاهلا و المغرور يرجع على من غرّه و فيه نظر لان رجوع المغرور على من غرّه انّما يسلم فيما إذا استند فعل المغرور الى الغار و اما في مطلق ما يترتب على فعل المغرور فلا الا ترى انه لو باع دارا من غيره ببيع فاسد يعلم بفساده البائع دون المشتري فغرّة فبذلك ثم ان المشترى صنع ضيافة في تلك الدار و صرف طعاما فهل يسع أحد ان يحكم بأن المشتري مغرور فيما بذل فيرجع على البائع و هذا الذي ذكرناه هو القدر المتيقن مما أجمعوا عليه من مؤدى القاعدة و لرواية التي ذكرها على طبق مؤداها غير مستجمعة لشرائط الحجية و الاعتبار فلا يؤخذ بها الا بقدر انجبارها بالإجماع ففيما نحن فيه لا يتحقق الغرور من الجائر غالبا لان حاله في الغالب شاهد بأنّه انّما يتصرّف في أموال الناس على حدّ تصرّف الملاك في أموالهم فيأخذ و يشترى بما أخذه و يصل به أرحامه و أعوانه و ينعم به على خدامه و غيرهم فلا يظهر انه لم يأخذه من الناس و انه مما انتقل إليه بالإرث مثلا حتى يكون غارا للآخذ نعم لو أخبره بأن الجائزة انما هي طلق ماله و ليس مما أخذه من الناس فلذلك أقدم على أخذه الأخذ تحقق الغرور (حينئذ) و اتجه الرجوع على
الجائر بالأجرة على هذا التقدير بخصوصه دون غيره هذا و ربما أمكن ان يمنع الرجوع بالأجرة في صورة الأخبار بان الجائزة انما هي طلق ماله ايضا لا لانه لا فرق بين قول الجائر و فعله في عدم الاعتبار ضرورة وجود الفرق من جهة كون الفعل ساكتا و كون القول ناطقا بل من جهة ان الخسران هنا ليس مما يستند الى فعل الغار فليس هو إلا بمنزلة مصارف الضيافة في المثال المذكور (فتأمل)
قوله و لو جهل