غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٣٧ - النوع الخامس مما يحرم التكسب به
من كون الواجب بحيث لو فرض مستحبا لجاز الاستيجار عليه مبنى على اجتهاده و ليس في كلماتهم منه عين و لا أثر الثاني ما ذكره من التقييد يستلزم اختصاص الكلام بالواجبات التوصّلية و خروج الواجبات التعبدية عن مورد البحث ضرورة انها إذا فرضت مستحبة لم يجز أخذ الأجرة عليها بناء على ما هو خيرة (المصنف) (رحمه الله) من عدم جواز أخذ الأجرة على المندوبات التعبدية و لهذا فرّع عليه فساد الاستدلال على هذا المطلب بمنافاة أخذ الأجرة على المندوبات للإخلاص في العمل و علله بانتقاضه طردا و عكسا بالمندوب و الواجب التوصلي الثالث ان التقييد المذكور لا يتلائم مع ما سيجيء في كلامه من تسليم ان الاستدلال بمنافاة أخذ الأجرة حسن في بعض موارد المسئلة و هو الواجب التعبّدي في الجملة الرابع ان ما ذكره من ان المانع عن جواز أخذ الأجرة على إتيان الرّجل بصلاة الظهر هو كون المعاملة سفهية حيث علل عدم جوازه بعدم وصول عوض المال الى باذله يمكن دفعه بأنه يصحّ فرض منفعة في ذلك تعود الى الباذل فتخرج المعاملة بذلك عن كونها سفهية كما إذا كان مستأجر غيره لصلاة الظهر جاهلا بعدد ركعات الصّلوة أو أفعالها و كيفياتها فاستأجره ليصلي فيتعلم هو فإنه لا يكون الاستيجار (حينئذ) من قبيل المعاملة السفهيّة من جهة وجود نفع عائد إلى الباذل فلا يبقى حينئذ مانع من جواز أخذ الأجرة إلا وجوب الصّلوة على الأجير نفسه فالحاصل ان الكلام في عدم جواز أخذ الأجرة على الواجب يعمّ ما ذكره من الفرض في فعل الرجل صلاة الظهر لنفسه كما يعم غيره و ان كان عدم جواز أخذ الأجرة على الواجب أظهر فيما ذكره من الفرض و ذلك لا يوجب خروجه عن محلّ البحث كما بنى عليه
قوله و من هنا يعلم فساد الاستدلال على هذا المطلب بمنافاة ذلك للإخلاص في العمل لانتقاضه طردا و عكسا بالمندوب
اعلم انه وقع التمسك في كلماتهم للحرمة بعد الإجماعات المدعاة بوجوه أحدها هذا الوجه و أورد عليه (المصنف) (رحمه الله) بالانتقاض طردا و عكسا بالمندوب و الواجب التوصلي و اعترضه بعض مشايخنا بان (المصنف) (رحمه الله) ملتزم بان المندوب الذي يعتبر فيه قصد الإخلاص و القربة لا يجوز أخذ الأجرة عليه الا انه لا وجه للنقض به مع وجود النقض بالواجب التوصلي خصوصا مع تصريحه بقوله طردا و عكسا و على هذا فكيف يصحّ الإيراد منه بالنقض بالمندوب أقول (الظاهر) ان الإيراد بالمندوب من باب إلزام المستدل بمذهبه و معتقده فإنه لما كان وفاقا للأكثر بقول بجواز أخذ الأجرة على المندوبات فلذلك اتجه عليه النقض بما يراه حقا و لا يلزم في الإيراد بالنقض ان يكون مما يعتقد به المورد لكن النقض بالواجب التوصلي ان كان الاستدلال صدر من المتمسّك به مقيّدا بما يفيد كون الكلام في الواجب التعبدي كما ذكره في شرح القواعد في مقام الحكاية و زاد انه يقتصر على ما يشترط بالقربة و الإخلاص فهو غير متجه عليه و ان كان قد صدر الحكم بحرمة أخذ الأجرة مطلقا و وقع الاستدلال عليها بمنافاة الإخلاص كان النقض متجها و لا بد من الرجوع الى كلماتهم
قوله و قد يرد ذلك بان تضاعف الوجوب بسبب الإجارة يؤكد الإخلاص
الراد هو الشيخ الفقيه المحقق جعفر الغمروى (قدس سرّه) قال في شرح القواعد بعد ذكر عنوان المسئلة و حكمها مشيرا الى الدليل المذكور و رده لا لمناط القربة فيما يشترط بها فيقتصر عليه كما ظن لان تضاعف الوجوب يؤكدها ثم اضرب الى ذكر وجوه أخر يأتي ذكرها إنشاء اللّه تعالى
قوله و فيه مضافا الى اقتضاء ذلك الفرق بين الإجارة و الجعالة حيث ان الجعالة لا يوجب العمل على العامل
وجه الإيراد بلزوم الفرق هو انه لما صرّح الراد في العبارة التي قدمنا نقلها عنه بأنه لا فرق في الأجرة المأخوذة على فعل الواجب بين ما لو ثبتت بالجعالة و بين ما لو ثبتت بالإجارة كان اللازم ان يجرى في كلماته على ما قرره و حيث كان رده مستلزما للفرق بينهما الذي هو مناف لما ذكره أورد عليه استلزامه الفرق المنافي لمذهبه هذا و لكن أورد عليه بعض من تأخر بمنع بطلان اللازم إذ لا محذور فيه و لم يدع شارح القواعد ان ثبوت الأجرة في جميع المقامات مؤكد و لم يرد إثبات جواز أخذ الأجرة بما وقع في عبارته حتى (يقال) ان ذلك انما يتم في بعض صور المسئلة و هو ما لو كان أخذ الأجرة بالإجارة لا بالجعالة و ان الدليل أخصّ من المدعى و انما ذكر ان تضاعف الوجوب يؤكد القربة و لا ريب ان هذا الكلام قضية مهملة في قوة الجزئية ناظرة إلى صورة وجود الموضوع الذي هو تضاعف الوجوب فإذا وجد جاء الحكم الذي هو تأكد القربة و لم يدع انه في جميع الموارد يتضاعف الوجوب حتى يورد عليه بلزوم الفرق و الجعالة ليست من مورد التضاعف فلا ضير في عدم تأكد الوجوب هناك و الى هذا الإيراد أشار بعض المعاصرين حيث قال في كتابه انه قد يذبّ عن الأول بعدم قادحيّته في رد الاستدلال و ليس الغرض منه إثبات الجواز به كي يقال بأنه أخصّ من الدعوى ثم ان المعاصر المذكور اتبع الإيراد المذكور بوجه أخر فقال مع انه انما يتم ان لم يكن التقرب بالعقود الجائزة لعدم رجحان الوفاء بها و الا فلا بأس بالتزام التضاعف فيها (أيضا) لأن المراد به على الظاهر انما هو تعدد جهة الإخلاص بسبب تعدد الأمر و ان لم يكن شرطا في سقوطه و لا فرق في ذلك بين التعبديات و التوصليات و الفرق بينهما في الشرطية و عدمها غير قادح في تأكيد أحدهما للآخر إذ لا يشترط فيه اتحادهما من جميع الجهات كما هو واضح انتهى أقول لا ريب في ان ما ذكر أولا من وجه دفع إيراد (المصنف) (رحمه الله) عن شارح القواعد في محله و اماما اتبعه به المعاصر المذكور فلا يخفى سقوطه لا مجرد احتمال إمكان التقرب بالعقود الجائزة و رجحان الوفاء بها مما لا يجدى في بناء الإيراد عليه و الشأن انما هو في تحقيق المبنى ثم انّا نزيد على ذلك و نقول لا دليل على رجحان الوفاء بالعقود الجائزة فهل ترى ان أحدا من فقهائنا (رضي الله عنه) افتى بان من وكل غيره في أمر ترجح في حقه ان لا يعزله أو انه ترجح في حق الوكيل ان لا يعزل نفسه أو انه يستحب في حق الجاعل أو العامل ان لا يرجع عمّا عزم عليه أولا أو انه يترجح للمرتهن أن يفي بعقد الرهانة الجائزة من طرفه و هكذا نعم قد يترجح الوفاء في بعضها لكن لا من حيث انه عقد جائز بل بعنوان آخر مثل رجحان الوفاء المعير بعقد العارية ما دام المستعير ملتزما به و لكن ذلك إنّما هو من جهة رجحان إكرام عباد اللّه و الحاصل انه لا قائل بما ذكره و لا دليل على ذلك (أيضا) الا ان يقال ان احتمال شمول قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ للعقود الجائزة بأن يراد بالأمر بالوفاء مطلق الرجحان الشامل للوجوب و الندب فيكون الوفاء في اللازم واجبا و في الجائز مستحبا كاف في إثبات رجحان الوفاء من باب التسامح من طريق الحسن العقلي لكن هذا مع إمكان دعوى القطع بخلافه غير مفيد في توجيه