غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١١٧ - الأول حقيقة الغيبة
(المصنف) (رحمه الله) بل (الظاهر) ان المراد مجرد فعل ما يوجب شياعها هو ان (الظاهر) من النهى بقوله (عليه السلام) لا تذيعن مجرد فعل ما يوجب شياع الفاحشة بمعنى مطلق التسبب لظهور حاله و ذلك لعدم صلاحية الاستشهاد بالآية للتقييد هذا و لكن الاتصاف ان النهى المذكور ليس (مطلقا) و انما هو مقيد من أول الأمر لا نقول بذلك من جهة مجرد قوله (عليه السلام) لا تذيعن حتى يمنع دلالته على قصد الشين الذي هو بالنسبة إلى الازاعة من قبيل الغاية بل من جهة وقوع جملة تشينه وصفا للفظ شيء الذي هو مفعول لا تذيعن و ذلك لان المذكور في كتب اللغة انه يقال شأنه إذا عابه و معلوم ان الأفعال ظاهرة في قصد فاعليها الى موادها و انها حقيقة في ذلك فمعنى قوله (عليه السلام) تشينه هو انك تقصد شينه و على هذا فمفهوم النهى يكون من أول الأمر مفهوما مقيدا و يطابقه الاستشهاد بالآية و لا تصير مقيدة له من جهة كونه بنفسه مقيدا لا من جهة كون الاستشهاد بها مبنيا على الإدراج الحكمي
قوله مع انه لا فائدة كثيرة في التنبيه على دخول القاصد لاشاعة الفاحشة في عموم الآية و انما يحسن التنبيه على ان قاصد السبب قاصد للمسبب و ان لم يقصده بعنوانه
فيه ان من المقرر الدائر في السنة أهل العلم ان فوائد الكلام تختلف باختلاف الأحوال و الأشخاص كما انهما مختلفتان بالنسبة إلى نوع الكلام فقد يقتضي حال كلاما لا يقتضيه غيره و قد يقتضي قابلية شخص كلاما لا تقتضيه قابلية الأخر فنقول فيما نحن فيه انه يمكن ان يكون المخاطب بقوله (عليه السلام) لا تذيعن ممن لا يعلم أصل حرمة اذاعة ما يشين المؤمن و يمكن ان يكون ممن ينكره أو يشك فيه ثم الاستشهاد يصلح ان يكون من جهة إنكار المخاطب و يصلح ان يكون من جهة تأكيد الحكم للاهتمام به من جهة انه حكم إلزامي تحريمي لم يلتفت المخاطب الى كونه منصوصا عليه بنص الكتاب فأراد الإمام (عليه السلام) رسوخه في قلبه و التزامه به فاستشهد لذلك بالآية فمن اين يعلم ان مقتضى المقام كان هو التنبيه على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) دون شيء من الجهات التي ذكرناها و ليس المخاطب في الخبر كغيره من الاخبار هو النوع حتى يقال ان النكتة التي ذكرها هو الأنسب بنوع الكلام و نوع المخاطب مضافا الى كون ما ذكرناه أخيرا هو الأنسب بالمقام ظاهرا من جهة كون الامام (عليه السلام) في مقام تنبيه المخاطب و نهيه عن الإذاعة التي هي من المحرمات التي يجب التنزه عنها و مطلوبه (عليه السلام) ملازمة تركها كما لا يخفى على من تدبر اللهمّ الا ان يقال ان مقصوده (رحمه الله) انما هو مجرد التأييد و التقريب في الجملة
قوله و ان كان من الأوصاف المشعرة بالذم أو قصد المتكلم التعيير و المذمة بوجوده فلا إشكال في حرمة الثاني بل و كذا الأول لعموم ما دل على حرمة إيذاء المؤمن و إهانته و حرمة التنابز بالألقاب و حرمة تعيير المؤمن على صدور معصية منه فضلا عن غيرها
(الظاهر) ان الوجوه المذكورة في التعليل انما هي للقسمين من دون ترتيب فيجب إرجاع كل الى ما يليق به و يمكن ان يقال ان حرمة الإيذاء و الإهانة و حرمة التنابز بالألقاب تعليل للأول و صدق الإيذاء و الإهانة انما هو باعتبار ان الأوصاف بأنفسها لما كانت مشعرة بالذم كان تعمد ذكرها إيذاء و اهانة و ان الوجه الأخير تعليل للثاني و كون حرمة التعيير في غير المعصية أقوى انما هو باعتبار ان المعصية مما يسرى فيه حديث النهى عن المنكر دون غيرها فمع عدم جواز التعيير فيها يكون حرمة التعيير في غيرها اولى
قوله و (كذلك) كلام أهل اللغة عدا الصحاح على بعض احتمالاته كونه غيبة
لأن كلام أهل اللغة تضمن كونها عبارة عن ذكر ما يسوئه و بعد جعل الموصول عبارة عن الكلام يصدق على الأوصاف المشعرة بالذم و ان لم يقصد بها التعيير كما يصدق على تعييره على صدور معصية منه و لا فرق في تعاريف أهل اللغة بين ما تضمن التقييد بكونه مما فيه و غيره و ان توقف إرجاع الأوّل إلى الكلام بجعل الموصول عبارة عنه على الاستخدام في الضمير المجرور بفي بأن يجعل عائدا إلى مضمون الكلام و ذلك لكون الذّم الذي أشعر به الأوصاف موجودا في المقول فيه كالمعصية المعير عليها لكونها صادرة عنه و انما استثنى كلام الصّحاح على بعض احتمالاته لانه تقدم منه (رحمه الله) ان ذلك الكلام يحتمل ان يراد به المستور من حيث ذلك المقول و يحتمل ان يراد به مقابل المتجاهر الذي هو عبارة عمن لا يبالي بإظهار المعصية فإن أريد الأول كان على طبق الأخبار المستفيضة و كان المقول الذي هو من قبيل النقص الظاهر مع كونه من قبيل الأوصاف المشعرة بالذم أو قصد المتكلم التعيير بوجوده خارجا عن عنوان الغيبة كما ان مقتضى الأخبار المذكورة خروجها كما عرفت في كلامه و ان أريد الثاني كان المقول المذكور غيبة لانه يصدق انه ذكر من ليس بمتجاهر بما يسوئه مما هو فيه
قوله قيل اما البدن
(انتهى) القائل هو السيّد المحدث نعمة اللّه الجزائري (رحمه الله) في الأنوار و ما ذكره تفصيل لامثلة الأقسام التي ذكر انه صرح غير واحد بعدم الفرق بينها لكنه ترك أمثلة قسمين من أخرها اعنى الدار و الدابة تبعا للمحكي عنه و ليته ترك الجميع لعدم الحاجة إليه لكونه من قبيل توضيح الواضحات
قوله أو إسكاف
الإسكاف بكسر الهمزة الخفاف كما في المجمع
قوله مرّاء
(الظاهر) انه بفتح الميم و تشديد الراء المهملة فعال من المرية بكسر الميم بمعنى الجدل و الشك فمعناه مجادل أو شكاك و يحتمل ان يكون بضم الميم و تخفيف الراء اسم فاعل من الرّياء و الأول انسب لكون معناه من الأوصاف الطبيعية و ان أمكن إرجاع الثاني (أيضا) الى ما هو من قبيل الخلق و الطبيعة بأن يراد منه انه ملازم للرّياء
قوله ثم ان ظاهر النص و ان كان منصرفا الى الذكر باللسان لكن المراد به حقيقة الذكر فهو مقابل الإغفال فكل ما يوجب التذكر للشخص من القول و الفعل و الإشارة و غيرها فهو ذكر له
الإغفال بكسر الهمزة و سكون الغين المعجمة و إلغاء بمعنى الترك قال في المصباح أغفلت الشيء اغفالا تركته إهمالا من غير نسيان انتهى ثم ان مقتضى الانصراف انه كلى شامل للذكر باللسان و غيره و ظاهر كلامه ان ذلك الكلى الشامل عبارة عما بقابل الإغفال و الذي يدل عليه كلام أهل اللغة خلاف ذلك قال في المصباح ذكرته بلساني و قلبي ذكري بالتأنيث و كسر الذال و الاسم ذكر بالضم و الكسر نص عليه جماعة منهم أبو عبيدة و ابن قتيبة و أنكر الفراء الكسر في القلب و قال اجعلني على ذكر منك بالضم لا غير و لهذا اقتصر جماعة عليه انتهى فان ظاهره الاشتراك اللفظي خصوصا بملاحظة اختلافهم في المصدر من حيث ضم اوله و كسره سلمنا ذلك لكن الكلي الّذي هو القدر المشترك عبارة عما هو وصف للذاكر فتفريع قوله فكل ما يوجب التذكر للشخص من القول و الفعل و الإشارة و غيرها فهو ذكر له غير مناسب لان المراد بالشخص ان كان هو الذاكر فالقول و الفعل و الإشارة الصادرة منه ليست أسبابا لتذكره بل هي ناشئة من تذكره مضافا الى ما يرد عليه من جهة حكمه يكون المراد حقيقة الذكر من انّ لازمه انه لو خطر ببالي فسق زيد صار ذلك غيبة و هو واضح السقوط و ان كان هو من يذكر له فهو ليس فاعلا للذكر و من المعلوم ان فاعل الذكر في الاخبار المفسرة للغيبة ليس هو من يذكر له فالحق ان ما عدا القول من الفعل و الإشارة و الكتابة ليست داخلة في موضع الغيبة و ان لحقت بها حكما بدلالة ما روى عن عائشة انها قالت دخلت علينا امرأة