تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٨٥
و أَما في مشهور الكلام فلا يتعدّى ما أَتَت الروايات فيه كسْراً، كضرَب يضرِب، أَو ضمّاً نحو قتل يقتُل، و يريدون بمجاوزة المشاهير أَن يَرِد عليك فِعل لا تعرف مُضارعَه كيف هو بعد البحث عنه في مظانِّه فلا تجده، و مجاوزة المشاهير ليست لكل إِنسان، و إِنما هي بعد حفظ المشهورات، فلا يتأَتى لمن لم يدرس الكُتب و لا اعتنى بالمحفوظ أَن يقول قد عدمت السَّماع فيختار في اللفظة يفعِل أَو يفعُل، ليس له ذلك، و قال بعضهم: إِذا عُرف أَن الماضي على وزن فعل بفتح العين و لم يعرف المضارع، فالوجه أَن يجعل يفعِل بالكسر، لأَنه أَكثر، و الكسرة أَخف من الضمة، و كذا قال أَبو عمرو المطرز حاكياً عن الفراء إِذا أَشكل يفعُل أَو يفعِل فبتْ على يفعِل بالكسر، فإِنه الباب عندهم، قلت: و مثله في خاتمة المصباح، و قد عقد له ابنُ دريدٍ في كتاب الأَبنية من الجمهرة باباً، و نقله ابن عُصفور و غيره، قال شيخنا:
و مقالة أَبي زيد السابق ذكرها قد ذكرها ابن القُوطية في صدر كتابه، و كذا ابنُ القطاع في صدر أَفعاله مبسوطاً، و الشيخ أَبو حيان في البحر، و أَبو جعفر الرُّعيني في اقتطاف الأَزاهر، ثم إِنه قد وجد بعد هذا الكلام زيادة، و هي في نسخة شيخنا و شرح عليها كما شرح المناوي و غيره.
ومن المحاسن الدالّة على حسن اختصاره أَن كلّ كلمة عرَّيْتهاأَي جرَّدتها. عز الضَّبطفيه بأَن لم أَتعرض لها بكونها بالفتح أَو الضم أَو الكسر. فإِنها بالفتحفي أَوله، فإهمالها من الضبط هو ضبطها. إِلاّ ما اشتهر بخلافه اشتهاراً رافعاً للنَزاعأَي الخصومة. من البَيْنفإِنه على ما هو المشهور في ضبطه، و في الفقرة التزام، و هذه النسخة ساقطة عندنا من بعض الأُصولِ و لذا أَهملَها المحبُّ بن الشحنة و البدر القرافي و غيرهما، كما قاله شيخنا. قلت:
و لو أَهملها من أَهمل فلا خلاف أَنها من اصطلاح المصنف و قاعدته، كما هو مشهور. و ما سوى ذلكمما ذكرنا من التعرِية عن الضبط و التقييد. فأُقَيّدهمن الإِطلاق. بصريح الكلامأَي خالصه و ظاهره، أَو أَكتبه بالكلام الصريح الذي لا شُبهة فيه و لا اختلال و لا كناية، حال كوني. غير مُقْتَنع أَي غير مكتف و لا مجتز. بتوشيح القِلامبالكسر جمع قَلَم، و هو مقيس كالأَقلام، أَي لا يقنع بمجرّد ضبط القلم، أَي وضع الحرَكة على الحرف، لأَن ذلك عُرْضة للترك و التحريف، و هذا من كمال الاعتناء، و وشّحه توشيحاً:
أَلبسه الوِشاح على عاتقه، مخالفاً بين طَرَفيه، و يأْتي تمامه، و الفقرة فيها الالتزام و الجناس المحرّف اللاحق. مكتفياً بكتابةهذه الأَحرف التي اخترعها و اقتطعها من الكلمات التي جعلها أَعلاماً لها في اصطلاحه، و هي ع د ة ج مو هي خمسة. عن قولي: موضعٌ، و بلدٌ، و قريةٌ، و الجمع، و معروففالعين و الدال و الهاء من آخر الكلمات، و الجيم و الميم من أَوائلها، لئلا يحصل الاختلاط، و فيه لفّ و نشر مرتّب. فتلخَّصأَي تبين الكتاب و اتضح. و كُلُّ غَثٍو هو اللحم المهزول، و من الحديث: الفاسد. إِن شاءَ اللََّه تعالى
____________
١ *
جاءَ بها تبركاً. عنهأَي الكتاب. مَصروفأَي مدفوع عنه، و قدمه اهتماماً و مناسبة للفقرة، و فيها الالتزام، قال شيخنا:
و ضابط هذه جمعَه المصنّف بنفسه في بيتين، نقلهما عنه غير واحد من أَصحابه و هما:
وَ مَا فِيه مِنْ رَمْزٍ فخمسَةُ أَحْرُفٍ # فمِيمٌ لمعْرُوفٍ و عَيْنٌ لموضِعِ
و جِيمٌ لجَمْعٍ ثم هَاءٌ لقَرْيَة # و للبَلَد الدَّالُ التي أُهْملَتْ فَعِي
و في أَزهار الرياض للمقّرِيّ:
و ما فيهِ مِنْ رَمْزٍ بحرْفِ فخمْسَةٌ
و نسبهما لعبد الرحمن بن معمر الواسطي. و قد ذيَّل عليهما أَحدُ الشعراء فقال:
وَ فِي آخرِ الأَبْوَابِ وَاوٌ و ياؤهَا # إِشارةُ وَاوِيٍّ وَ يَائِيّها اسْمَعِ
و استدرك بعضهم أَيضاً فقال:
وَ ما جَاءَ في القَاموس رَمْزاً فِستَّةٌ # لموضِعهم عَيْنٌ و معْرُوفٍ الميمُ
و جَجٌّ لجمْعِ الجَمْعِ دَالٌ لبَلْدةِ # و قَرْيتُهُمْ هاءٌ و جمْعٌ له الجِيمُ
و نقل شيخنا عن شيوخه ما نصه: و وجد بهامش نسخةِ المصنف رحمه اللََّه تعالى بخطّه لنفسه:
إِذا رُمْت في القاموس كَشفْاً لِلَفظةٍ # فَآخِرُها لِلْباب و البَدْءُ لِلْفَصْلِ
و لا تَعتَبر في بدئِها و أَخِرِها # مزيداً و لكنَّ اعتبارَك للأَصلِ
[١] (*) زيادة من القاموس.