تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٨١
في تخصيص أَحدِهما بالسَّند الصحيح ما يُصار إِليه و لا يُعْدل عنه. و هوأَي الكتاب أَو مؤلفه. جَدِيرأَي حَقيق و حَرِيّ. بذلكالإِقبال، قال شيخنا: و قد مدحه غيرُ واحد من الأَفاضل، و وصفوا كِتابه بالإِجادة، لالتزامه الصحيح، و بَسْطه الكلام، و إِيراده الشواهد على ذلك، و نقله كلام أَهل الفن دون تصرف فيه، و غير ذلك من المحاسن التي لا تُحْصَى، و قد رزقه اللََّه تعالى شُهرة فاق بها كلَّ من تقدمه أَو تأَخّر عنه، و لم يَصل شيء من المصنَّفات اللغوية فِي كثرة التداول و الاعتماد على ما فيه ما وصل إِليه الصحاح، و قد أَنشد الإِمام أَبو منصور الثعالبيّ لأَبي محمد إِسماعيل بن محمد بن عبدوس النيسابوري:
هذَا كِتَابُ الصَّحَاح سَيِّدُ ما # صُنِّفَ قَبْلَ الصّحَاح في الأَدبِ
تَشمَلُ أَبوابُهُ و تَجْمَعُ مَا # فُرِّقَ في غَيْرِه مِنَ الكُتُبِ
غير أَنهأَي الصحاح قد. فاتَهأَي ذَهب عنه. نِصف اللغةِكذا في نسخة مكّية، و في الناصِرِيّة على ما قيل ثُلثا اللُغة. أَو أَكثرُمن ذلك، أَي فهو غير تام، لفوات اللغة الكثيرة فيه. قال شيخنا: و صريح هذا النقل يدلّ على أَنه جمع اللغة كلها و أَحاط بأَسرها، و هذا أَمر متعذّر لا يمكن لأَحد من الآحاد إِلا الأَنبياء عليهم الصلاة و السلام. قلت:
و قد تقدم في أَوّل الكتاب نصُّ الإِمام الشافعيّ رضي اللََّه عنه فيه، فإِذا عرفت ذلك ظهر لك أَن ادِّعاءَ المصنّف حَصْر الفوات بالنصف أَو الثلثين في غير محلّه، لأَن اللغة ليس يُنال مُنتهاها، فلا يُعرَف لها نِصف و لا ثُلث، ثم إِن الجوهريّ ما ادّعى الإِحاطة، و لا سَمَّى كتابه البحر و لا القاموس، و إِنما التزم أَن يورد فيه الصحيح عنده، فلا يلزمه كل الصحيح، و لا الصحيح عند غيره، و لا غير الصحيح، و هو ظاهر، انتهى. ثم بيّن وجه الفوات فقال: إِما بإِهمال أَي ترك. المادّةو هي حروف اللفظ الدالّ على المعنى، و المراد عدم ذكرها بالكلّيّة أَو بترك المعاني الغريبةأَي عن كثير من الأَفهام، لعدم تداولها. النّادّةأَي الشارِدة النافِرة. أَردْت أَن يظهرأَي ينكشف. للنّاظِرالمتأَمّل.
بَادِيَمنصوب على الظرفية مضاف إِلى. بَدَا
____________
٢ *
أَي أَوّل كلشيء قبل الشروع في غيره. فَضْلُ كِتابي هذا عليهأَي الصحاح. فكتبت بالحُمرة المادَّةَأَي اللفظة أَو الكلمة.
المهمَلةَأَي المتروكة. لَدَيْهأَي الصحاح. و في سَائِر التَّراكِيبِأَي باقيها أَو جميعها. تتَّضِحأَي تتبين و تظهر ظهوراً واضحاً. المَزيَّةالفضيلة و المأْثرة. بالتَّوَجُّهأَي الإِقبال و صرف الهمّة. إِليهأَي إِلى كتابه، و في هذا الكلام بيان أَن الموادّ التي تركها الجوهريّ رحمه اللََّه و زادها المصنف ميّزها بما يعرّفها، و هي كتابتها بالحمرة، لإِظهار الفضل السابق، و لشيخنا رحمه اللََّه هنا كلام، لم نعطف إِلى بيانه زِمام، فإِنه مورث للملام، و اللََّه سبحانه الملك العلاّم. و لم أَذْكُر ذلكإِشارة إِلى ما تقدم من مدح كتابه و ذكر مناقبه. إِشاعةًأَي إِذاعة و إِظهاراً. للمَفَاخرجمع مَفخَر و مَفَخُرة بالفتح فيهما، و بضم الثالث في الثاني لغة، مفعل من الفَخْر، و يقال الفَخَار و الافتخار، هو المدح بالخصال المحمودة، قال شيخنا: و جوّز البدر القرافي ضبط المفاخر بضم الميم اسم فاعل من فاخَرَه مُفاخرةً، و جعله متعلِّقاً بأَذكر، أَي لم أَذكره للشخص المفاخِر الذي يفاخرني فأَفتخر عليه بالكتاب، و هو من البعد بمكان. بل إِذاعةًأَي نشراً و إِفشاء. لقوْلأَبي تمام حَبيب بن أَوس الطائي.
الشَاعرالمعروف و هو:
لاَ زِلْتَ مِنْ شُكْرِيَ في حُلَّةٍ # لابِسُها ذُو سَلَبٍ فَاخِرٍ
يَقُولُ مَنْ تَقْرَعُ أَسْمَاعَهُ # كَمْ تَرَك الأَوَّلُ لِلآخِرِ
و هذا الشطر الأَخير جارٍ في الأَمثال المتداولة المشهورة حتى قال الجاحظ:
مَا عَلِم النَّاسُ سِوَى قَوْلِهِم # كَمْ تَرَكَ الأَوَّلُ لِلآخِرِ
ثم إِن قوله [١] «و لم أَذكر ذلك»إِلخ ثبت في نُسخة المؤلف، كما صرح به المحبّ بن الشحنة، و أَثبته البدر
[٢] (*) في القاموس: بَدْءٍ.
[١] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله ثم إِن قوله الخ»هذه الجملة من كلام شيخه، و ليست من كلام الشارح. فكان عليه عزوه إِليه ليبرأ من الرد عليه بما قاله قبل في شأن شرح المناوي أنه سمع به و لم تصل يده إِليه. قال: و كم وجهت رائد الطلب إليه و لم أقف إِلى الآن عليه ا هـ من شرح ديباجة القاموس.