تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٧٤
و فُتات المِسك و قِطَع الثَّلج و السُكَّر و لُعَاب العَسل و رغْوَتهُ و ما تقطَّع من النَّدى على الشجر، و المراد هنا المعنى الأَوَّل، و زعم بعضهم المعنى الأَخير. الطَّلِهو الندَى أَو فوقه و دون المطر، و يطلق على المطر الضعيف، و ليس بمرادٍ هنا، و إِضافة الرُّضاب إِليه من قَبِيل إِضافة المشبَّه به إِلى المشبَّه، أَي الطلّ الذي في الأَزهار بين الأَشجار، كالرُّضاب في فم الأَحباب، كقوله:
و الرِّيحُ تَعْبَثُ بالغُضُونِ و قَد جَرَى # ذَهَبُ الأَصِيلِ عَلَى لُجَيْنِ المَاءِ [١]
أَي ماء كاللُّجَين، و من قال إِن الإِضافة بيانِيَّة فقد أَخطأ، و كذا من فسَّر الرُّضابَ السَّحِّ، و الطلّ بأَخفِّ المَطر، فكأَنه أَجاز إِضافة الشيء إِلى نفسه مع فساد المعنى، على أَن السحَّ إِنما هو من معاني الرَّاضِبة دون الرُّضاب، كما سيأْتي في محلّه. من كِظَامٍمتعلّق برشفت، و هو بالضم جمع كَظَمٍ مُحرَّكة و هو الحَلْق أَو الفم. و في الأَربعين الودعانية:
فبادِرُوا في مُهَل الأَنفاس، وحْدَة الإِخلاس، قبل أَن يُؤخَذ بالكَظَم. و منهم من فسروه بأَفواهِ الوادي و الآبارِ المتقارب بعضُهَا بعضاً، و قيل: الكِظامة: فمُ الوادي الذي يخرج منه الماء و ليس في الكلام ما يدلُّ على الأَودية و الآبار و لا بتقارب بعضها بعضاً، كما فسّروه، لا حقيقةً، و لا مجازاً، و لا رمزاً، و لا كنايةً، و في بعض الشروح كِظَام الشيءِ:
مبدؤُه، و الصحيح ما أَشرنا إِليه. الجُلِبالضم، كذا هو مضبوط في نسخة شيخنا الإِمام رضيّ الدين المِزجاجي، قيل: معناه مُعظَم الشيء، و قيل: هو بالفتحِ، و فسّره بالياسمين و الورد أَبيضِه و أَحمرِه و أَصفره، و الواحدة بهاء، أَما المعنى الأَوّل فليس بمرادٍ هنا قطعاً لأَنه حينئذ لا يُذكَر إِلا مضافاً، لفظاً أَو تقديراً، ككلّ و بعض، و هذا ليس كذلك، أَما رواية الفتح فهي أَيضاً غير صحيحة، و قد باحَثَني في ذلك شيخُنا الإِمام المذكور، أَطال اللََّه بقاءه، حين وصلتُ إِلى هذا المحلّ عند القراءة بحضرة شيخنا السِّيد سليمان الأَهدل و غيره، فقلت: الذي يعطيه مَقام اللفظِ أَن اللفظة مُعَرّبة عن الفارسيّة، و معناه عندهم الزّهر مطلقا، من أَي شجرٍ كان، و يصرف غالباً في الإِطلاق عندهم إِلى هذا الورْد المعروف، بأَنواعه الثلاثة: الأَحمر و الأَبيض و الأَصفر، فأَعْجِبا بما قرَّرْت و أَقَرَّاه. و الجَادِيقال قاضي كَجرات: هو طالب المَطر، عطف على الطفاوة، أَي و ما أَخذ الجادي الماءَ من السحاب، و قيل: هو الخمر، عطف على رُضاب، و لا يخفى أَن فيما ذكر من المعنيين تكلُّفاً، و الصحيح أَنه نوع من الزَّهرِ كالنرجس و الياسمين، و هو المناسب، و من قال: إِنه عطفُ تفسيرٍ لما قبله فقد أَخطأَ، فإِن الجلّ إِنما يُطلقُ على الياسمين و الورد فقط، كما قدّمنا، ثم إِن الذي تقدم آنفاً مقروناً بالعبْهرِ فمعناه الزعفران لا غير، فلا يكون إِعادته هنا لإِيضاحٍ أَو غير ذلك، كما وهِم فيه بعضُ الشرَّاح، لاختلاف المعنيين، قال شيخُنا:
و في رشفْتُ الاستعارة بالتبعيَّة، لوجود الفعل و هو مشتق، و يجوز أَن يكون بالكناية، كأَنشَبت المنيَّةُ أَظفارَها، و أَن يكون استعارة تصريحيّة، فإِذا اتضح ذلك عرفت أَن الرُّضاب الذي هو الريق شُبِّه به الطلّ، و الشمس الذي هو معنى الطفاوة شُبِّه بشخصٍ مرتشِف لذلك الرِّيق، و جَعَل له أَفواهاً و ثغوراً هي كِظام الجلِّ و الجادي هما الورد و النرْجس و الياسمين، و إِن كان تشبيههَا بالأَقاحِ أَكثَر دوراناً، كما قال الشاعر:
بَاكِرْ إِلَى اللَّذَّاتِ و ارْكَبْ لَهَا # سَوَابِقَ الخَيْلِ ذَوَاتِ المِرَاحْ
مِنْ قَبْلِ أَنْ تَرْشفَ شَمْسُ الضُحَى # رِيقَ الغَوَادي مِن ثُغورِ الأَقَاحْ
و بَعْدُكلمة يُفصَل بها بين الكلاَمَينِ عند إِرادة الانتقال من كلام إِلى غيره، و هي من الظروف، قيل: زمانيّة، و قيل: مكانيَّة، و عامله محذوفٌ، قاله الدَّماميني، و التقدير، أَي و أَقول بعد ما تقدَّم من الحمد للََّه تعالى و الصلاة و السلام على نبيه محمد صَلَّى اللََّهُ عَلَيهِ وَ سَلَّم. فإِنّبالفاء، إِما على تَوهُّم أَمَّا، أَو على تقديرها في نظْمِ الكلام، و قيل: إِنها لإِجراء الظرف مُجْرَى الشرْط، و قيل: إِنها عاطفة، و قيل زائدة. للعلمِأَي بأَنواعِه و فُروعه. رِيَاضاًجمع رَوْضة أَو رَيْضة، و قد تقدم شيء من معناها، و يأْتِي في مادته ما هو أَكثر. و حِيَاضاً جمع حَوْض، و هو مُجتَمع الماء. و خَمائِلَجمع خَمِيلة و هي من الأَرض المكرِمة للنَّبات، و الرمْلة التي تُنبت الشجر، و قالوا هي الشجر الملتفّ، و الموضع الكثيرُ الشجرِ. و غِيَاضاجمع غَيْضة، و هي الغَابَة الجامعة للأَشجار
[١] البيت لابن خفاجة الأندلسي، ديوانه ص ١٧.