التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٦٢ - قوله تعالى
قوله تعالى:
(وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا [١٧] من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها مانشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا [١٨] ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا) [١٩] ثلاث آيات بلاخلاف.
اخبر الله تعالى بأنه اهلك من القرون من بعدنوح، أمما كثيرة، لان " كم " يفيد التكثير ضد (رب) الذي يفيد التقليل، (والقرن) قيل: مئة وعشرون سنة - في قول عبدالله ابن أبي أو في وقال محمدبن القاسم المازني: هو مئة سنة، وقال قوم: هو اربعون سنة. وادخلت الباء في قوله " كفى بربك " للمدح: كما تقول: ناهيك به رجلا، وجاد بثوبك ثوبا، وطاب بطعامك طعاما واكرم به رجلا، وكل ذلك في موضع رفع، كماقال الشاعر:
ويخبرني عن غائب المرء هديه * كفى الهدى عما غيب المرؤ مخبرا [١]
فرفع لما اسقط الباء. والمعنى: كفى ربك عالما وحسيبا بذنوب عباده بصيرا بها، ثم قال " من كان يريد " المنافع " العاجلة " في الدنيا عجلنا له فيها " يعني في الدنيا القدر الذي نريده لمن نريد، لا على قدر مايريدون، لان ما يريدونه ربماكانت فيه مفسدة، لايجوز إعطاؤهم إياه، ثم بين انه إذا اعطاهم ما طلبوه عاجلا جعل لهم جهنم جزاء، على معاصيهم وكفرهم يصلونها مذمومين مدحورين، اي في حال ذمنا إياهم، يقال: ذأمته، وذمته، وذممته بمعنى واحد
[١] مجمع البيان ٣: ٤٠٧ وتفسير الطبري ١٥: ٤٢