التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٣٦ - قوله تعالى
الكافرين إلا في ضلال " [١] وهذا انما هو في الجملة، قال الرماني: وصرف الله تعالى له عن الفعل بالزجر عنه واعلامه الذم على فعله، وفرق بين الصرف عن الفعل والزجر عنه، بأن الزجر عنه بالذم على ايقاعه. والصرف عنه اعلامه ان غيره أصلح له من غير ذم عليه لو عمله كما يجب في الزجر، والظاهر بغير ذلك أشبه، لان يوسف (ع) كان عالما بأن ما دعته اليه قبيح يستحق به الذم، ومع ذلك سأل ان يصرف ضرر كيدهن عنه، لان كيدهن الذي هو دعاؤهن وأغواؤهن، كان قد حصل، فكأنه قد سأل الله تعالى لطفا من ألطافه يصرفه عنده عن اجابة النسوة إلى مادعونه من ارتكاب المعصية، لان ظاهر القول خرج مخرج الشرط والجزاء المقتضيين للاستقبال، فكان ماقلناه أولى. فقوله " انه هوالسميع العليم " معناه ههنا انه السميع لدعاء الداعي العليم باخلاصه في دعائه او ترك اخلاصه وبما يصلحه من الاجابة او يفسده، قال الرماني: ولا يجوز ان يكون السميع للصوت بمعنى العليم بالصوت موجودا، لانه قد يعلم الانسان موجودا، اذا كان بعيدا وهو لايسمعه كعلمه بصوت المطارق في الحدادين، وليس من طريق الحاسة وانما يعلمه بضرب من الاستدلال او يظن ذلك، واذا علمه من طريق الحاسة علمه ضرورة، فكان ذلك فرقا بين الموضعين.
وقال ابوعلي الجبائي: في الآية دلالة على جواز الدعاء بما يعلم انه يكون، لان يوسف عالما بأنه إن كان له لطف فلابد ان يفعل الله به، ومع هذا سأله وليس في الآية مايدل على ذلك لانه لايمتنع ان يكون يوسف سأل لتجويزه ان يكون له لطف عند الدعاء، ولولم يدع له لم يكن ذلك لطفا، فما سأل الا ما جوز ان لايكون لولم يدع، غير ان المذهب: ماقال ابوعلي لانه تعالى تعبدنا بأن نقول " رب احكم بالحق [٢] وقد علمنا انه لايحكم الا بالحق، ولكن الآية لاتدل على ذلك.
[١] سورة الرعد آية ١٥ وسورة المؤمن (غافر) آية ٥٠.
[٢] سورة الانبياء آية ١١٢.