التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٦٩ - قوله تعالى
العجائب، كمن لايخلق ذلك من الصنام التي هي جمادات، فكيف توجه العبادة اليها، ويسوى بينها، وبين خالق جميع ذلك، " أفلا يتفكرون " في ذلك ويعتبرون به، فان ذلك من الخطأ الفاحش. وجعل (من) فيمالايعقل، لما اتصلت بذكر الخالق.
ويتعلق بهذه الآية المجبرة، فقالوا: أعلمنا الله تعالى ان احدا لايخلق، لانه خلاف الخالق، وانه لوكان خالق غيره لوجب ان يكون مثله، ونظيره.
وهذا باطل، لان الخلق في حقيقة اللغة هو التقدير والاتقان في الصنعة وفعل الشئ لاعلى وجه السهو والمجازفة بدلالة قوله " وتخلقون إفكا " [١] وقوله " واذ تخلق من الطين كهيئة الطير " [٢] وقوله " احسن الخالقين " [٣] كمالايجوز أنه اعظم الآلهة لمالم يستحق الآلهية غيره، وقال زهير:
ولانت تفري ماخلقت وبع * - ض القوم يخلق ثم لايفري [٤]
وقال الججاج: لاأعد إلا وفيت ولاأخلق إلا فريت [٥]
وقال الشاعر:
ولايئط بأيدي الخالقين ولا * أيدى الخوالق الاجبد الادم
فعلمنا بذلك جواز تسمية غيره بأنه خالق إلا انا لانطلق هذه الصفة إلا لله تعالى، لان ذلك توهم، فاذا ثبت ذلك فالوجه في الآية ماقدمنا ذكره من الرد على عباد الاصنام والجمادات التي لاتقدر على ضرر ولانفع ولاخلق شئ ولا
[١] سورة العنكبوت اية ١٧ [٢] سورة المائدة اية ١١٣ [٣] سورة المؤمنون آية ١٤ وسورة الصافات آية ١٢٥ [٤] ديوانه ٢٩ (دار بيروت) واللسان (فرا)، (خلق).
[٥] وقد رواها ابن منظور في لسان العرب (خلق) قال: قال الحجاج: (ماخلقت إلا فريت ولاوعدت إلا وفيت).
تفسير التبيان ج ٦ م ٢٤