التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٢٥ - قوله تعالى
احدهما - ان جميع مايفعله الله على مقدار ماتدعو اليه الحكمة من غير نقصان ولازيادة، وقال قتادة: معناه كل شئ عنده بمقدار في الرزق والاجل.
والمقدار مثال يقدر به غيره. ثم اخبر تعالى أنه عالم بما غاب عن الحواس وبما ظهر لها فالغيب كون الشئ بحيث يخفى عن الحس، يقال غاب يغيب، فهو غائب. والشهادة حصول الشئ بحيث يظهر للحس ومنه الشاهد خلاف الغائب.
ويقال شهد في المصر اذا حضر فيه. ومنه قوله " فمن شهدمنكم الشهر فليصمه " [١]
اي من حضر المصر فيه، وانما قال " عالم الغيب " مع ان الله تعالى لايغيب عنه شئ، لانه اراد ماغاب عن احساس العباد. وقيل انه اراد انه يعلم المعدوم والموجود، فالغيب هو المعدوم. وقال الحسن: الغيب السر، والشهادة العلانية.
وقوله " الكبير المتعال " فالكبير هوالسيد المقتدر. ومعناه الاكبر بسعة مقدوره. والمتعالي المقتدر بمايستحيل ان يكون أعلى منه في الاقتدار أومساويا له، فهو أقدر من كل قادر، ولهذا استحالت مساواته في المقدور، لان من لا يساويه أحد في المقدور فهو أعلى في المقدور، كأنه قال: تعالى مقدوره إلى مايستحيل ان يكون اعلى منه. وقال الحسن: المتعالي عما يقول المشركون فيه.
قوله تعالى:
(سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار) [١١] آية بلاخلاف.
معنى الآية ان الله تعالى الذي وصف نفسه بأنه الكبير المتعالي على غيره بسعة قدرته سواء عليه الاشياء في أنه يعلمها على اختلاف حالاتها، وانه يعلم الانسان
[١] سورة البقرة آية ١٨٥ تفسير التبيان ج ٦ - م ١٥