التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٥٧ - قوله تعالى
به، ومثله قولهم: طوقتك كذا، وقلدتك كذا اي الزمته إياك ومثله، قلده السلطان كذا، اي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة، وإنما خص إلزام الطائر بالعنق، لانه إضافة مايزين من طوق، او مايشين من عمل يضاف إلى الاعناق، ولان في عرف الناس ان يقولوا: هذا في رقبتك. وقد يضاف العمل إلى اليد ايضا كماقال " ذلك بما قدمت ايديكم " [١] وإن كان كسبه بفرجه ولسانه، وغير ذلك، وإنما يذم بذلك على وجه التقريع والتبكيت بمافعله من المعاصي، ويكون في العلم بذلك لطف في دار الدنيا، وان كان الله عالما بتفصيل مافعلوه.
وقوله " كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " اي حسبك نفسك اليوم حاكما عليك في عملك وماتستحقه من ثواب على الطاعة ومن عقاب على المعصية، لانه أنصفك من جعلك حسيبا على نفسك بعملك. وقيل معنى " حسيبا " شاهدا وشهيدا.
وقوله " من اهتدى " يعني فعل الخيرات والطاعات وانتفع بهداية الله إياه " فإنما يهتدي لنفسه " وأن ثواب ذلك واصل اليه " ومن ضل " اي جار عن الحق وعدل عن الصواب وارتكب المعاصي " فإنما يضل عليها " اي يجوز عليها لان عقاب ذلك ووباله واصل اليه، لان الله تعالى قال " لاتزر وازرة وزر أخرى " اي لايأخذ احدا بذنب غيره، والوزر الائم، وقيل معناه لايجوز لاحد أن يعمل الاثم، لان غيره عمله، والاول أقوى.
وقوله " وماكنا معذبين حتى نبعث رسولا " اخبار من الله أنه لايعاقب احدا على معاصيه، حتى يستظهر عليه بالحجج وانفاذ الرسل ينبهونه على الحق، ويهدونه اليه ويرشدونه إلى سلوكه، استظهارا في الحجة، لانه اذا اجتمع داعي القعل وداعي السمع إلى الحق، تأكد الامر وزال الريب فيما يلزم العبد، وليس في ذلك دلالة على انه لولم يبعث رسولا لم يحسن منه ان يعاقب اذا ارتكب العبد
[١] سورة آل عمران اية ١٨٢