التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٣٨ - قوله تعالى
معترفا بها " اجتباه " يعني اختاره الله واصطفاه " وهداه إلى صراط مستقيم " اي حكم بأنه على صراط مستقيم اي لطف له حتى اهتدى إلى طريق الحق.
وقوله " وآتيناه في الدنيا حسنة " اي اعطيناه جزاء على هدايته في هذه الدنيا حسنة، وهي: تنويه الله بذكره في الدنيا بطاعته لربه، ومسارعته إلى مرضاته، وإخلاصه لعبادته، حتى صار إماما يقتدى به، وعلما يهتدى بسنته.
قال قتادة: حتى ليس من اهل دين إلا وهو يتولاه ويرضاه. وقال الحسن:
معنى " حسنة " يعني نبوته. وقوله " وإنه في الآخرة لمن الصالحين " اخبار منه تعالى انه مع إيتائه الحسنة في الدنيا هو في الآخرة من جملة الصالحين. وانمالم يقل:
لفي اعلى منازل الصالحين، مع اقتضاء حاله ذلك، لمدح من هو منهم، والترغيب في الصلاح ليكون صاحبه في جنب ابراهيم، وناهيك هذا الترغيب في الصلاح، وهذا المدح لابراهيم أن يشرف جملة هو منها، حتى يصير لاستدعاء اليها بأنه فيها.
وقوله " اوحينا اليك ان اتبع ملة ابن إبراهيم حنيفا " أي أمرناك ان اتبع ملة ابراهيم حنيفا مستقيم الطريق، في الدعاء إلى توحيد الله، وخلع الانداد، والعمل بسنته، " وماكان " يعني ابراهيم " من المشركين " بعبادة الله غيره.
وقوله " انما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه " اختلفوا في معناه، قال الحسن: معناه انه جعله عليهم بأن لعنهم بالمسخ لاعتدائهم فيه. واختلافهم فيه كان بأن قال بعضهم: هو اعظم الايام حرمة، لانه تعالى فرغ فيه من خلق الاشياء كلها. وقال آخرون: بل الاحد أفضل، لانه ابتدا أخلق الاشياء فيه. وقال مجاهد، وابن زيد: عدلوا عما أمروا به من تعظيم الجمعة.
ووجه اتصال هذه الاية بماتقدم أنه لما أمر باتباع الحق، حذر من الاختلاف فيه، بماذكره من حال المختلفين في السبت، بما ليس لهم ان يختلفوا فيه، فشدد عليهم فرضه، وضيق عليهم أمره وقال قوم: معنى " اختلفوا فيه " اي خالفوا فيه، لانهم نهوا عن الصيد فيه فنصبوا الشباك يوم الجمعة، ودخل فيها السمك يوم السبت، فأخذوه يوم الاحد. ثم قال " وان ربك " يامحمد " ليحكم بينهم " أي يفصل بينهم يوم القيامة في الذي كانوا مختلفين فيه، ويبين لهم الصحيح من الفاسد