استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٣٣٧ - كلام وليّ الله الدهلوي في ذمّ القياس
التناصر والتعاون غير متظاهرين .
فأمّا هذه الطبقة الذين هم أهل الحديث والأثر ، فإنّ الأكثرين إنّما وكدهم الروايات وجمع الطرق وطلب الغريب والشاذّ من الحديث الذي أكثره موضوع أو مقلوب ; لا يراعون المتون ولا يتفهّمون المعاني ولا يستنبطون سرّها ولا يستخرجون ركازها وفقهها ، وربّما عابوا الفقهاء و تناولوهم بالطعن وادّعوا عليهم مخالفة السنن ، ولا يعلمون أنّهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرون وبسوء القول فيهم آثمون .
وأمّا الطبقة الأخرى وهم أهل الفقه والنظر ، فإنّ أكثرهم لا يعرّجون من الحديث إلاّ على أقلّه ، ولا يكادون يميّزون صحيحه من سقيمه ، ولا يعرفون جيّده من رديّه ، ولا يعبئون بما بلغهم منه أن يحتجّوا به على خصومهم ، إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها ووافق آرائهم التي يعتقدونها ، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف والحديث المنقطع إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم وتعاورته الألسن فيما بينهم ، من غير ثبت فيه أو يقين علم به ، فكان ذلك ضلة من الرأي و غبنا فيه .
وهؤلاء - وفّقنا الله وإيّاهم - لو حكي لهم عن واحد من رؤساء مذاهبهم وزعماء نحلهم قول يقوله باجتهاده من قبل نفسه ، طلبوا فيه الثقة و استبرؤا له العهدة .
فتجد أصحاب مالك لا يعتمدون من مذهبه إلاّ ما كان من رواية ابن القاسم وأشهب و ضربائهما من تلاد أي قدماء أصحابه ، فإذا جاءت رواية عبد الله بن عبد الحكم وأضرابه لم يكن عندهم طائلاً .
وترى أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يقبلون من الرواية عنه إلاّ