استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٣٣١ - كلام ابن الجوزي في ذمّ القياس
أربابه وهيهات ، فإنّ العلم أولى أن يحاجّه ويضاعف عذابه كما ذكرنا في حقّ القرّاء ، وقد قال البصري : إنّما الفقيه من يخشى الله عزّ وجلّ .
قال ابن عقيل : رأيت فقيهاً خراسانيّاً عليه حرير وخواتيم ذهب ، فقلت له : ما هذا ؟ فقال : خلع السلطان وكمد الأعداء . فقلت : بل هو شماتة الأعداء بك إن كنت مسلماً ; لأنّ إبليس عدوّك ، فإذا بلغ منك مبلغاً ألبسك ما يسخط الشرع فقد أشمته بنفسك ، وهل خلع السلطان إلاّ سائقة لنهي الرحمان يا مسكين ! خلع عليك السلطان فانخلعت به من الإيمان ، وقد كان ينبغي أن يخلع عنك السلطان لباس الفسق ويلبسك لباس التقوى ، رماكم الله بخزيه حيث هوّنتم أمره ، ليتك قلت : هذه رعونات الطبع والهوى ، والآن تمّت محنتك ، لأنّ عذرك دليل على فساد باطنك .
ومن تلبيسه عليهم : أن يُحسّن لهم ازدراء الوعّاظ ويمنعهم من الحضور عندهم ، فيقولون : من هؤلاء ؟ هؤلاء قصّاص ، ومراد الشيطان أن لا يحضروا في موضع يلين فيه القلب ويخشع ، والقصّاص لا يذمّون من حيث هذا الاسم ; لأنّ الله تعالى قال : ( نحن نقصّ عليك أحسن القصص ) وقال : ( فاقصص القصص ) وإنّما ذمّ القصاص لأنّ الغالب منهم الاقتناع منهم بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد ، ثمّ غالبهم يخلط فيما يورده ، وربّما اعتمد على ما أكثره محال ، فأمّا إذا كان القصص صدقاً ويوجب وعظاً فهو ممدوح ، وقد كان أحمد بن حنبل يقول : ما أحوج الناس إلى قاصّ صدوق » [١] .
فهذه حالات علماء القوم وفقهائهم ، العاملين بالرأي والقياس وغيرهم .
[١] تلبيس إبليس : ١٣٧ - ١٤٢ .