استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٥٠٩
فنزلت : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتّى تعلموا ما تقولون ) فقال : اللّهمّ بيّن لنا في الخمر ، فنزلت : ( قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) فقال : اللّهمّ بيّن لنا في الخمر ، فنزلت : ( إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلّكم تفلحون - إلى قوله - فهل أنتم منتهون ) فقال عمر : انتهينا ، إنّها تذهب المال وتذهب العقل .
قال : وحدّثنا أبو عبيد قال : حدّثنا هشيم قال : أخبرنا المغيرة عن أبي رزين قال : شربت الخمر بعد الآية التي في البقرة وبعد الآية التي في النساء ، فكانوا يشربونها حتّى يحضر الصلاة فإذا حضرت تركوها ، ثمّ حرمت في المائدة في قوله : ( فهل أنتم منتهون ) فانتهى القوم عنها فلم يعودوا فيها .
فمن الناس من يظنّ أنّ قوله : ( قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) لم يدلّ على التحريم لأنّه لو كان دالاًّ لما شربوه ، ولما أقرّهم النبي صلّى الله عليه وسلّم ، ولما سأل عمر البيان بعده ، وليس هذا كذلك عندنا ، لأنّه جائز أن يكونوا تأوّلوا في قوله ( ومنافع للناس ) جواز استباحة منافعها بأنّ الإثم مقصور على بعض الأحوال دون بعض ، فإنّما ذهبوا عن حكم الآية بالتأويل . وأمّا قوله إنّها لو كانت حراماً لما أقرّهم النبي صلّى الله عليه وسلّم على شربها ، فإنّه ليس في شيء من الأخبار علم النبي صلّى الله عليه وسلّم بشربها ولا إقرارهم بعد علمه ، وأمّا سؤال عمر بياناً بعد نزول هذه الآية ، فإنّه كان للتأويل فيه مساغ ، وقد علم هو وجه دلالتها على التحريم ، ولكنّه سأل بياناً يزول معه احتمال التأويل ، فأنزل الله تعالى : ( إنّما الخمر والميسر ) الآية » [١] .
وقال الزمخشري في ( ربيع الأبرار ) :
[١] أحكام القرآن للجصّاص ١ : ٣٢٢ - ٣٢٤ .