استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٤٠٨ - قصّة كتاب العلل لابن المديني
فبذل له مائة دينار على أن يخرج له كتاب العلل ليراه ويكون عنده ثلاثة أيّام ، ففنته المال وأخذ منه مائة دينار ثمّ تلطّف مع اُمّه فأخرجت الكتاب ، فدفعه إليه وأخذ عليه العهود والمواثيق أن لا يحبسه عنه أكثر من الأمد الذي ذكر ، فأخذ البخاري الكتاب - وكان مائة جزء - فدفعه إلى مائة من الورّاقين ، وأعطى كلّ رجل منهم ديناراً على نسخه ومقابلته في يوم وليلة ، فكتبوا له الديوان في يوم وليلة وقوبل ، ثمّ صرفه إلى ولد علي بن المديني وقال : إنّما نظرت إلى شيء فيه .
وانصرف علي بن المديني فلم يعلم بالخبر ، ثمّ ذهب البخاري فعكف على الكتاب شهوراً واستحفظه ، وكان كثير الملازمة لابن المديني وكان ابن المديني يعقد يوماً لأصحاب الحديث ، يتكلّم في علله وطرقه ، فلمّا أتاه البخاري بعد مدّة قال له : ما حبسك عنّا ؟ قال : شغلٌ عرض لي ، ثمّ جعل عليٌّ يلقي الأحاديث ويسألهم عن عللها ، فيبادر البخاري بالجواب بنصّ كلام عليٍّ في كتابه ، فعجب لذلك ثمّ قال له : من أين علمت هذا ، هذا قول منصوص ، والله ما أعلم أحداً في زماني يعلم هذا العلم غيري .
فرجع إلى منزله كئيباً حزيناً ، وعلم أنّ البخاري خدع أهله بالمال حتّى أبا حوا له الكتاب ، ولم يزل مغموماً بذلك ، ولم يلبث إلاّ يسيراً حتّى مات ، واستغنى البخاري عن مجالسة علي والتفقّه عنده بذلك الكتاب ، وخرج إلى خراسان وتفقّه بالكتاب ووضع الكتاب الصحيح والتواريخ ، فعظم شأنه وعلا ذكره ، وهو أوّل من وضع في الإسلام كتاب الصحيح ، فصار الناس له تبعاً وبكتابه يقتدي العلماء في تأليف الصحيح » .
يفيد هذا النص أنّ البخاري كان السبب في موت شيخه علي بن