استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٤٠ - تكذيب الأخبار
وقد استشكل هذا الموضع الفخر الرازي فقال : إنْ قلنا : إنّ كونهما من القرآن كان متواتراً في عصر ابن مسعود ، لزم تكفير من أنكرهما . وإنْ قلنا : إنّه لم يكن متواتراً ، لزم أنّ بعض القرآن لم يتواتر . قال : وهذه عقدة صعبة .
واُجيب : باحتمال أنّه كان متواتراً في عصر ابن مسعود ، ولكنْ لم يتواتر عند ابن مسعود ، فانحلّت العقدة بعون الله تعالى » [١] .
إلاّ أنّ هذا الحمل أضعف وأفسد من الكلّ ، وذلك :
أوّلاً : إنّه ينافي ما رواه القوم - كما في ( الإستيعاب ) وغيره - من أنّ ابن مسعود حضر العرض الأخير للقرآن الكريم وعلم ما نسخ منه وما بدّل ، وهذا نصّ ما رواه ابن عبد البر حيث قال :
« روى وكيع وجماعة معه عن الأعمش عن أبي ظبيان قال : قال لي عبد الله ابن عبّاس : أيّ القراءتين تقرأ ؟ قلت : القراءة الاُولى قراءة ابن اُم عبد . فقال لي : بل هي الآخرة ، إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يعرض القرآن على جبرئيل في كلّ عام مرّةً ، فلمّا كان العام الذي قبض فيه عرضه عليه مرّتين ، فحضر ذلك عبد الله ، فعلم ما نسخ من ذلك وما بدّل » [٢] .
وهل من الجائز أن يقال بأنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يعرض المعوّذتين ، وجبريل أيضاً لم ينبّهه على ذلك ؟ !
وثانياً : إذا كان تواتر المعوّذتين ثابتاً عند الصّحابة وغير ثابت عند ابن مسعود فقط ، نقول : إنْ كان سائر الصحابة قد أخبروه بكون المعوّذتين من القرآن فلم يقبل منهم ولم يصدّقهم ، أو لم يثبت بخبرهم تواترهما عنده ، لزم
[١] فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٨ : ٦٠٤ .
[٢] الإستيعاب في معرفة الأصحاب ٣ : ٩٩٢ / ١٦٥٩ .