استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٣٨٦ - ترجمة الذهلي
أحمد بخلافها فيكفر ، فقال : لفظي بالقرآن مخلوق ، وهذه الحكاية قد ذكرها كثير من الحنابلة ، وذكرها شيخنا الذهبي في ترجمة الإمام أحمد وفي ترجمة الكرابيسي ، فانظر إلى قول الكرابيسي فيها إنّ مخالفها يكفر ، والإمام أحمد - فيما نعتقده - لم يخالفها ، وإنّما أنكر أن يتكلّم في ذلك .
فإذا تأمّلت ما سطرناه ، ونظرت قول شيخنا في غير موضع من تاريخه إنّ مسألة اللفظ ممّا يرجع إلى قول جهم ، عرفت أنّ الرجل لا يدري في هذه المضائق ما يقول ، وقد أكثر هو وأصحابه من ذكر جهم بن صفوان ، وليس قصدهم إلاّ جعل الأشاعرة - الذين قدر الله لقدرهم أن يكون مرفوعاً وللزومهم للسنّة أن يكون مجزوماً به ومقطوعاً - فرقة جهميّة .
واعلم أنّ جهماً شرّ من المعتزلة - كما يدريه من ينظر الملل والنحل ويعرف عقائد الفرق - بل هو شرّ من القائلين بها ، لمشاركته إيّاهم فيما قالوه وزيادته عليهم بطامّات ، فما كفى الذهبي أن يشير إلى اعتقاد ما يتبرّء العقلاء عن قوله من قدم الألفاظ الجارية على لسانه ، حتّى ينسب هذه العقيدة إلى مثل الإمام أحمد بن حنبل وغيره من السادات ، ويدعي أنّ المخالف فيها يرجع إلى قول جهم ، فليته درى ما يقول ، والله يغفر لنا وله ويتجاوز عمّن كان السبب في خوض مثل الذهبي في مسائل هذا الكلام ، وإنّه ليعزّ عليّ الكلام في ذلك .
ولكن كيف يسعنا السكوت وقد ملأ شيخنا تاريخه بهذه العظائم التي لو وقف عليها العامي لأضلّته ضلالاً مبيناً ، ولقد يعلم الله منّي كراهيّة الإزراء لشيخنا ، فإنّه مفيدنا ومعلّمنا ، وهذا النور اليسير الحديثي الذي عرفناه منه استفدناه ، ولكن أرى أنّ التنبيه على ذلك حتم لازم في الدين » [١] .
[١] طبقات الشافعية ٢ : ١١٨ - ١٢٠ .