من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٩٥
[١١٦] فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُ إن الله أنزه من أن يخلق الإنسان بلا هدف. ثم إذا كان كل جزء في الإنسان يؤدي هدفاً معيناً فالعين تبصر، والأذن تسمع، والجوارح تقوم بأدوارها المحددة، والأعضاء الداخلية تقوم بمهامها، والغدد والأجهزة وكل خلية تؤدي وظيفة خلقت لها، وحتى الزائدة الدودية التي سماها كذلك الطب في أيام طفولتهم تقوم بدور محدد، فهل من المعقول أن يكون خلق الإنسان عبثاً وبلا هدف محدد؟! ونحن حين ننظر إلى ما حولنا من أشعة الشمس وضوء القمر وحركة الأرض ونشاط الأحياء فيها، وأنظمة سائر الموجودات نجدها جميعاً تخدم وجود البشر، وكذلك خلقت بهدف محدد، فهل خلق الإنسان نفسه لغير هدف؟! سبحان الله!! ومن هنا يسأل أحدهم الإمام الصادق عليه السلام: [لِمَ خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ؟. فَقَالَ عليه السلام
إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ عَبَثاً وَلَمْ يَتْرُكْهُمْ سُدًى بَلْ خَلَقَهُمْ لِإِظْهَارِ قُدْرَتِهِ وَ لِيُكَلِّفَهُمْ طَاعَتَهُ] [١].
لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ فالله هو رب السلطة، ولكنه السلطة الكريمة والحكيمة وليست العبثية حتى يخلقنا بلا هدف.
[١١٧] وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ فحتى لو عبد غير الله فإنه لن يخرج بذلك عن سلطته وهيمنته وسيكون حسابه وجزاؤه عنده.
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ذلك الجزء من الآية يتحدث عن الحساب، بينما يتحدث هذا المقطع عن الجزاء، وهنا نجد المعادلة بين أول السورة الذي يقول قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ وبين آخرها الذي ينفي الفلاح عن الكافرين.
والشرك ليس بالضرورة أن يتصور الإنسان وجود خالق غير الله، بل قد يكون بطاعة الأشخاص، من أصحاب المال والسلطة من دون حجة مبن الله.
[١١٨] إن الإنسان بطبيعته الترابية، ينجذب إلى أرض الشرك، والتفكير بأن من يرزقه هو أبوه وأمه، وبأنَّ من يحكمه هو السلطة السياسية القائمة في بلده، وبأنَّ من يهديه هو وسائل الإعلام، ولكن الإنسان بعقله وإرادته وإيمانه يستطيع أن يقتلع نفسه عن هذه الطبيعة اقتلاعاً، ويحلق بها عالياً في سماء التوحيد، حتى يرى كل الأمور بيد الله الذي يسلم هو له.
ومن مشاكل الإنسان أن هذه الطبيعة تبقى معه حتى إذا صار مؤمناً، فتارة يستجيب لها وتارة أخرى يتحداها و يتغلب عليها، والشرك الذي يصيب البشر قد يكون خفياً فلا يخلو قلب من الشرك، ولكن الله يعطي الإنسان المؤمن برنامجاً لمواجهة هذه المشكلة فيقول وَقُلْ
[١] بحار الأنوار: ج ٥ ص ٣١٣.