من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٣ - المسؤولية بين التذكر والنسيان
أمر الرب، وخدعه حيث حلف له بالله كذباً أن الله لم ينهه عن تلك الشجرة.
ولم يكن آدم يعلم أن من الممكن أن يحلف أحد بربه كاذباً، ثم شبه عليه بأن المنهي عنه إنما هو شجرة معينة من الحنطة، وليس كل أشجار الحنطة، وهنا استفاد إبليس من نقطة ضعيفة عند البشر حيث يتهرب من المسؤولية بأدنى تبرير، وكانت أداة وسوسته إثارة مشاعر حب الخلود والملك عند البشر، جاء في حديث شريف عن جميل بن دراج عن أحد الصادقين: [سَأَلْتُهُ: كَيْفَ أَخَذَ اللهُ آدَمَ بِالنِّسْيَانِ؟ فَقَالَ عليه السلام
إِنَّهُ لَمْ يَنْسَ وَكَيْفَ يَنْسَى وَهُوَ يَذْكُرُهُ وَيَقُولُ لَهُ إِبْلِيسُ
مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ] [١].
٣- غريزتا الملك وحب الخلود غريزتان متأصلتان في أعماق الإنسان، فبالرغم من أن الله أسكن آدم وحواء الجنة- وهي دار الخلود- إلا أنهما لا زالا ينتابهما الشعور بالنهاية، وقد أثار الشيطان فيهما هاتين الغريزتين، وهكذا كانت نتيجة غواية إبليس أن أكل آدم من الشجرة فطرد من الجنة.
وإنما كان ذلك من آدم حين أثار إبليس فيه غريزتي (حب الملك وحب الخلود)، ومن المعلوم أنه لم يكن الهدف من خلق هاتين الغريزتين في النفس أن يستخدمهما الشيطان في اغواء الإنسان، إنما أعطاه الله حب الملك والسيطرة، لكي يستعمر الأرض ويتحمل الصعاب والمشاق في سبيل ذلك، وأعطاه حب الخلود لكي يحافظ على نفسه من جهة، ولكي يعرف أنه خلق للبقاء ولكن ليس في هذه الدنيا، بل في الآخرة، وأنه لو لم يخلد في الدنيا، فإنَّ هناك داراً أخرى سيخلد فيها.
ولكن إبليس كعادته يحرف غرائز الإنسان، التي لو استفاد منها استفادة سليمة، إذن لكانت وقوده في الطريق الصاعد، أما لو استخدمها بصورة غير سليمة، فإنها ستكون سبباً لهبوطه وترديه. والشيطان حينما يوسوس للبشر فهو قد لا يتراءى له، ولكنه يأتيه في صورة خواطر وأوهام.
[١٢١] فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ كانت نتيجة اقترافهما السيئة أن بدت لهما سوآتهما بعد أن ألبسهما الله الرياش. وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى عصى بتركه الهدى، وغوى عن رحمة ربه إذ من معاني الغواية الضياع.
[١٢٢] ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى وفي هذه الآية إشارة إلى أن بيد الإنسان نفسه سعادته أو شقاءه، وإنه لو وقع في فخاخ الشيطان وانحرف عن الجادة، فإنَّ أمامه فرصة
[١] ، بحار الأنوار: ج ١١ ص ١٨٧، تفسير العياشي: ج ٢ ص ٩.