من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦١ - بعدا للقوم الظالمين
من المرتزقة وأصحاب المصالح.
وهنا مفارقة بين هذه الآية وقصص الأنبياء السابقة، فهناك مقابل الأنبياء الملأ، وهنا فرعون والملأ وهذه إشارة إلى درجة تعقيد وتقدم السلطة في مصر. فالفئة الحاكمة يوازيها الملأ من رجال المعابد والاقتصاد وما شاكلهم بينما في الأقوام السابقة يبدو أن الفئة الحاكمة هم الملأ.
والذي يتدبر في قصة موسى وفرعون يهتدي إلى أن القضية كانت كبيرة جداً. حيث يرسل الله اثنين (موسى و هارون) وذلك لعظم المسؤولية. حيث إنها نقلة حضارية من ذلك المستنقع الآسن الذي تردى إليه فرعون وجماعته، إلى القمة السامقة من التوحيد والإيمان، وموسى من أعظم أنبياء الله، وقصص موسى قريبة من واقع الأمة الإسلامية، فلا تزال البشرية تعيش ظروفا مشابهة لتلك التي عاشها قوم موسى، حيث لا يزال المستكبرون من ملأ فراعنة الأرض يستضعفون سائر الناس، ويجعلونهم شيعاً، ويعلون في الأرض بغير الحق، فنحن بحاجة إلى التدبر في هذه القصة لنزداد وعياً، وعزماً، وجهاداً حتى يأذن الله لنا بالنصر، ولذلك يذكر القرآن هذه القصص زهاء سبعين مرة.
ولكن هل استجاب فرعون وملؤه لرسول الله موسى ولأخيه هارون عليه السلام؟ كلا.
فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ الإنسان ربما يستكبر ولكنه لا يملك شيئاً من مقومات الاستكبار، فنراه فقيراً، وذليلًا .. إلخ، وحيناً آخر يستكبر الإنسان وهو يمتلك المقومات الظاهرية لذلك، كفرعون الذي كانت تجري الأنهار من تحت قصره، والذي يسيطر على شعب مصر.
[٤٧] لذلك لما جاءهم موسى وأخوه كذبوهما فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ولم يقل وهما لنا عابدان؟ لعله لأنهما في الواقع ما عبدوا، وما خضعوا للطاغوت، وإنما قومهما (بنو إسرائيل) هم الذين خضعوا لفرعون وملئه.
[٤٨] فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنْ الْمُهْلَكِينَ بالإغراق.
[٤٩] وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ الكتاب الذي أرسل إليهم عبر موسى كان يهدف هدايتهم إلى الصراط المستقيم، ولكنهم لم ينتفعوا بهذا الكتاب.
إن الله لم يخلق الناس، ليهلكهم، بل ليرحمهم بالفلاح، والهدى في الدنيا، والجنة في الآخرة، ولكن الناس هم الذين يرفضون ذلك.