من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٣ - من حقائق الهدى والمعرفة
[٩٥]
وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً وهلاكهم كان له موعد محدد، ولما جاء ذلك الموعد انتهت الفرصة الممنوحة لهم، ولم يكن باستطاعتهم أن يكتسبوا لحظة إضافية. لماذا النسيان؟
[٦٠] إن نسيان الإنسان لماضيه وما قدَّمت يداه، أحد الأسباب الرئيسية لجهله وعدم هدايته، والقرآن يضرب مثلًا على ذلك من قصة موسى عليه السلام حيث أنه كلف- فيما يبدو- بالبحث عن شخص عالم يرشده وعزم موسى عليه السلام على السفر إلى حيث يوجد العالم عند التقاء البحرين- ولعلهما خليج العقبة وخليج السويس المتفرعان من البحر الأحمر- وعندما بلغه وآوى هو وفتاه إلى صخرة تسرب حوتهما في البحر ولعل الآية وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً أي إنني مصمم أن أصل إلى مجمع البحرين أو أمضي سنين عديدة بالرغم من كل الصعوبات المحتملة، والفتى هو يوشع بن نون أقرب بني إسرائيل إلى موسى عليه السلام ووصيه، ولعل التعبير ب- (الفتى) عنه كان لمعاني السمو الروحي والكمال الرسالة الذي كان يتمتع به، وبالذات في اتباعه لقيادته الإلهية، وتفانيه في خدمة الرسول.
[٦١] فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا أي المكان الذي يجتمع فيه البحران. نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً لقد تحرَّك الحوت بحالة السرب، والسارب هو الذي يسير إلى الأسفل ولعل بالحوت كان رمق من الحياة فلما دخل الماء استعاد حياته وتسرب فيه أو كان هناك ماء الحياة.
[٦٢] فَلَمَّا جَاوَزَا أي انتقلا إلى الشاطئ الآخر. قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً أي كان سفرهما متعباً للغاية وشعرا بالجوع، والغداء هو طعام الغدو وهو أول النهار.
من عوامل النسيان
[٦٣] قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ أي أتذكر حينما جلسنا عند الصخرة التي كانت في طريقنا لنستريح قليلا. فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وضعته هناك ولم أجلبه معي، ولكي يبرر هذا الواقع الذي فعله النسيان قال وَمَا أَنْسَانِي إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً لقد نسي الفتى قصة الحوت أن يبينها لموسى عليه السلام، وكيف اتخذ سبيله في البحر سربا.