من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٤ - غائية الكون وحكمة الخلق
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ الخير أفضل من الشر، ولكن القرآن يأتي بذكر الشر قبل الخير ليبين لنا بأننا محكومون بإرادة الله، فلنتكيف مع هذه الإرادة. ولكي نعي حقيقة هامة تبين الآيات الوجه المشتركة لظواهر الحياة المختلفة، فمع أن الشر يختلف عن الخير في ظاهره، إلا أنهما يلتقيان في نقطة واحدة هي إنهما لبلاء الإنسان حيث يتقلب البشر بين الخير والشر، بين العافية والمرض، بين الغنى والفقر، والأمن والخوف و .. و .. ولا حيلة له فيها. فهل رأيت مريضاً يحب الاستمرار في زوبعة الألم، أم هل صادفت فقيراً يستمرىء البقاء في سواد الفقر، أو خائفاً لا يريد التخلص من ضائقة الخوف؟، ولكن تدبير الله المحيط بنا يقلبنا بين الشر والخير ليفتننا بهما، ثم يبعثنا إليه ليحاسبنا، أفلا نوقظ أنفسنا من نومة الغافلين؟! لكيلا نتخذ الحياة لهواً ولعباً.
ومادامت نهاية الإنسان إلى الله، فهو مسؤول أن يجير كل الظروف، خيرها وشرها، في صالح الهدف الاسمى، ويفكر في المستقبل بدل أن يتأثر سلباً بالظرف الذي يعيشه خيراً أو شراً تأثراً آنياً، فيطغى بسبب الخير، أو ينهزم وينحرف بسبب الشر، وهذه من طبيعة الإنسان فهو ينسى أهدافه بسبب ظروفه المحيط به.
ولا ريب إن الذي يعي حقيقة البعث يكون بعيداً عن اللعب واللهو.
[٣٦] وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ مع هذه الآيات الجلية في الآفاق، وفي أنفسهم، تجد الكفار يستهزئون بالحق ويتخذونه لعباً، أما القرآن فيبين بأن الحق لا ينبغي أن نستهزىء به، لأنه ينتقم ممن يستهزىء به قريباً أو بعد أمد محدود.
وكم هو صلف هذا الإنسان، ففي الوقت الذي يتميز غضباً حين يسمع إن الرسول يذكر آلهتهم التي لا تغني عنهم شيئاً، ويتساءل: هذا هو الشخص الذي يذكر الآلهة- ولا يبين الكافر كلام الرسول فيها إحتراماً لها-، في ذات الوقت تراه يكفر بالرحمن الذي أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة؟!.