من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٦ - فتبارك الله أحسن الخالقين
إلينا حينما تجلى في آيات الكون بما فيها الإنسان نفسه تارة، وفي آيات القرآن تارة أخرى، بما في تلك الآيات، وهذه من إثارة للعقول نحو أهم المعارف وأجلها، وهي معرفة الله.
إن التفكير في أطوار خلق الإنسان من طينة، إلى نطفة، إلى علقة، فمضغة، حتى يصير بشراً سوياً. بعد أن ينفخ الله فيه الروح، ويزوده بالعقل والإرادة، وسائر الجوارح وهو يسير إلى الموت، وإن نظرة عميقة إلى الكون وما فيه من آيات الله تهدينا إلى معرفة الله وهي- بدورها- تهدي إلى وعي حقيقة الحياة، أما حين نفصل معرفة الله عن معرفة الأشياء فإنها تظل ألغازا حائرة.
فإذا نظرنا إلى حاجة الجسم إلى قدر من المواد، ثم وجدناها جاهزة في دهن الزيتون، أولًا يهدينا ذلك إلى أن هناك مدبراً لهذا الكون.
إلا أن جهل البشر وتكبره ورجعيته تحجبه عن معرفة الخالق، كمثل قوم نوح إذ دعاهم رسولهم إلى عبادة الله وحده، فحجبهم عن عبادته ومعرفته، التكبر. حيث قالوا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً- كما حجبهم التقليد فقالوا:- مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ- ثم اتهموه فقالوا:- (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ [المؤمنون: ٢٤- ٢٥]، ولكنه توكل على ربه، وطلب منه النصر على تكذيبهم إياه.
بينات من الآيات
[١٢] إذا عرف الإنسان ربه حينئذ يكون اتصاله به أسمى من ذلك الذي يؤمن خوفاً من النار أو رغبة في الجنة، فالإيمان الحق إنما هو الذي يكون منطلقه المعرفة والقناعة كإيمان الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام والذي كان يقول عنه
[مَا عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ وَ لَا طَمَعاً فِي جَنَّتِكَ لَكِنْ وَجَدْتُكَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ فَعَبَدْتُك] [١].
والسبيل إلى المعرفة بالله هو
- ١ التفكر في النفس
ومن هذا المنطلق يعرف الله الإنسان حقيقته
[مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ] [٢].
فيقول وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ فالإنسان ينسل من طين الأرض
[١] بحار الأنوار: ج ٦٧ ص ١٨٦.
[٢] بحار الأنوار: ج ٢ ص ٣٢.