من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٧ - وحدة الرسالات والأنبياء
ابْتُلِيَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْبَلِيَّةِ إِلَّا لِسَرِيرَةِ سُوءٍ فَلَعَلَّكَ أَسْرَرْتَ سُوءاً فِي الَّذِي تُبْدِي لَنَا قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ نَاجَى أَيُّوبُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: رَبِّ ابْتَلَيْتَنِي بِهَذِهِ الْبَلِيَّةِ وَأَنْتَ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لِي أَمْرَانِ قَطُّ إِلَّا أَلْزَمْتُ [لَزِمْتُ] أَخْشَنَهُمَا عَلَى بَدَنِي وَلَمْ آكُلْ أُكْلَةً قَطُّ إِلَّا وَعَلَى خِوَانِي يَتِيمٌ فَلَوْ أَنَّ لِي مِنْكَ مَقْعَدَ الْخَصْمِ لَأَدْلَيْتُ بِحُجَّتِي [١]
، قَالَ: فَعَرَضَتْ لَهُ سَحَابَةٌ فَنَطَقَ فِيهَا نَاطِقٌ فَقَالَ: يَا أَيُّوبُ أَدْلِ بِحُجَّتِكَ، قَالَ: فَشَدَّ عَلَيْهِ مِئْزَرَهُ وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ؛ فَقَالَ: ابْتَلَيْتَنِي بِهَذِهِ الْبَلِيَّةِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لِي أَمْرَانِ قَطُّ إِلَّا أَلْزَمْتُ [لَزِمْتُ] أَخْشَنَهُمَا عَلَى بَدَنِي، وَلَمْ آكُلْ أُكْلَةً مِنْ طَعَامٍ إِلَّا وَعَلَى خِوَانِي يَتِيمٌ، قَالَ فَقِيلَ لَهُ: يَا أَيُّوبُ مَنْ حَبَّبَ إِلَيْكَ الطَّاعَةَ؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفّاً مِنْ تُرَابٍ فَوَضَعَهُ فِي فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ يَا رَبِ] [٢].
ونستوحي من هذه الرواية عدة حقائق
ألف: إن شكر أيوب كان عظيماً فامتحنه الله سبحانه بأعظم البلاء ليعرف الناس أن الشكر ليس عند الرضاء في منطق الأنبياء، بل وأيضاً عند البلاء، وإن أيوب وسليمان في الشكر سواء.
ب- اء: إن حكمة النبوة تتنافى مع التعيير، ولذلك فإنَّ الله لا يدع أنبياءه عليهم السلام يتعرضون للشماتة بل يستجيب دعاءهم.
جاء: إن أيوب ذلك العبد الصابر وذلك النبي الكريم عند الله، تاب إلى ربه فور ما صدر منه ما يبدو أنه نوع من الفخر بعمله، بالرغم من أن صبره وشكره واجتهاده كان كل ذلك عظيماً غاية العظمة.
صبر الأنبياء عليهم السلام
[٨٥] وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنْ الصَّابِرِينَ يذكر الله سبحانه إدريس وذا الكفل وإسماعيل عليه السلام معاً بالرغم من أن ترتيبهم الزمني كان هكذا: إدريس ثم إسماعيل فذا الكفل، وذلك لكي يبين صفة يجب أن نقتدي بهم منها وهي صفة (الصبر).
لقد صبر إدريس عليه السلام على دعوة قومه فلم يستجيب له إلا قليل حتى رفعه الله إليه.
أما إسماعيل فقد ابتلاه الله حين أمر والده بأن يتركه وأمه بواد غير ذي زرع عند بيت الله الحرام، فذاق العطش والغربة، وكان فيهما صابراً، حتى إذا بلغ أشده، أمر والده بذبحه فأسلم
[١] أدلى لحجة: طرحها وأصبح بها.
[٢] علل الشرائع: ج ١، ص ٧٦.