من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٧ - ولاية الل - ه أم ولاية الشيطان؟
وجعلنا بينهم موبقا
[٥٢] وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ في يوم القيامة يأتي الله بالناس الذين اتخذوا الشيطان وذريته قادة ويقول: سأدعكم الآن لفترة تنادون أولئك القادة الذين كنتم تستعينون بهم في الدنيا، فيقفون ويصيحون حتى تبح أصواتهم ولكن دون جدوى.
فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً بين الشركاء والمشركين هوة سحيقة ومهلكة، يسميها القرآن بالموبق وهي: الفجوة العميقة الفاصلة بين شيئين، ولكن لماذا هذه الفجوة؟ بالرغم من أن هؤلاء وأولئك في كثير من الأحيان يسلكون سبيلًا واحداً، ومصيرهم جميعا إلى النار؟ لعلَّ هذه الهوة العميقة ترمز إلى الهوة التي يجب أن تكون بين الإنسان والشركاء.
[٥٣] وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا تأملوا هذا المشهد: الكفار وقد شارفوا على النار، بل وبدأت تلفحهم حرارتها هاهم يرون أنهم يقعون فيها.
وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً وحري بنا أن نتصور نحن هذه الحالة، أيضاً، فنحن لم نر تلك النار اللاهبة الشديدة، ولكننا نستطيع أن نتصور أنفسنا واقفين على نار قعرها عميق، وحرها شديد، وعذابها غليظ، ونتخيل تلك النيران المحرقة وهي تلامس أجسادنا دون أن نجد مهرباً منها، لنتصور هذه الحالة، فإنَّ التصور يقرب الحقيقة إلى ذهن الإنسان ويقوم بدور الوسيط بينه وبين الحقائق البعيدة، وبالتالي فهو يربي الإنسان وينمي تقواه.
وهكذا الفرد الذي تتاح له فرصة الجريمة، ولكنه حين يتصور قاعة المحكمة أنه يبتعد عن الجريمة، كذلك نحن إذا تصورنا تلك النيران في جهنم سنمتنع عن المعاصي والفساد.
ذلك هو التاريخ البعيد، وهذا هو المستقبل القادم، وبينهما ينثني السياق القرآني ليذكرنا ويقول: أيها الناس تلك كانت قصص ماضيكم، وتلك حوادث مستقبلكم، فانتبهوا لحاضركم.
كيف نتخلص من طبيعة الجدال؟
[٥٤] وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ كل تجسيد للحقيقة يسمى مثلًا، والقرآن يجسد الحقائق المجردة في أمثلة تاريخية مضت أو حوادث مستقبلية تقع، لكن لماذا، لكي يقرب هذه الحقائق المجردة إلى أذهان الناس وقلوبهم، ولكن الإنسان مهما أوتي