من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٠ - موسى عليه السلام يعالج الردة الجاهلية
ثالثاً: من الأسباب الرئيسية للانحراف طول الأمل، والحرص على الدنيا، لأنهما من بواعث التسويف بالتوبة.
[٩٧] أما كيف عالج موسى الموقف مع السامري؟ فلقد قام بخطوتين رئيسيتين هما
١- عزل السامري عن المجتمع لأنه جذر الانحراف قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ.
وهكذا يجب أن تكون الحلول التي تضعها النهضة، حلولًا جذرية تتعدى الآثار السلبية وإزالتها، إلى اجتثاث جذر الفساد، فبدل أن تحارب الخمر، والفساد الخلقي، والبرامج المضللة في وسائل الإعلام، عالج أمر الطاغوت الذي يقف خلفها، لأن القضاء عليه يعني نهايتها جميعاً. ولم يقتل موسى عليه السلام السامري ليبقى عبرة حية إلى كل الانتهازيين من بني إسرائيل، ولكي تتضح عدالة الرسالات الإلهية وكيف أن مواقفها عقلانية، ففي الخبر أن موسى عليه السلام هم بقتل السامري، فأوحى الله له أن لا تفعل فإنه كان سخياً، وثانياً حتى يكون عذابه شديداً يوم القيامة بحيث يستوفي كل ماله في الدنيا ولا يلقى في الآخرة إلا العذاب. ولعلَّ السامري أبتلي بمرض جسدي أو روحي يؤدي إلى عذابه باقتراب الناس إليه، فكان يهرب من الناس ويصيح إذا اقترب منه أحد لا مساس: أي لا تمسوني أو لا تقتربوا مني!.
٢- تحطيم رمز الواقع السلبي ..
وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً أخذ موسى العجل الذي عُبِدَ من دون الله وحرقه ثم ذره في اليم لكي يقتلع جذر الفتنة، خشية أن يقدس العجل أو قطعاته أو حتى رماده في المستقبل، كما يقدس المرتبطة مصالحهم بنظام الطاغوت آثارة بعد سقوطه.
ونستوحي من هذه العملية أن على السلطات الرسالية أن لا تكتفي بتصفية شخص الطاغوت فقط، بل تحاول اقتلاع جذوره وتصفية آثاره ورموزه، كقصوره، وتماثيله، ولو كان في ذلك بعض الخسارة المادية، لأن الخسارة الحقيقية أن تبقى هذه الأشياء تقدس من قبل المنحرفين الذين لا يزالون يتعلقون بالطاغوت بسبب عدم استجابتهم للتطور الرسالي الذي حدث.
[٩٨] كان الخطاب الأول موجهاً إلى هارون القيادة الرسالية، والخطاب الثاني إلى السامري القيادة المنحرفة، أما الخطاب الثالث فلبني إسرائيل أنفسهم، لأن هذه الجهات هي