من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٠ - هكذا ينصر الله رسله بالغيب
[٧٩] فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ لقد أعطى الله الحكم لسليمان حيث كان وصي داود، وكان شديد الاهتمام بتحمل مسؤوليته، وكان يسعى نحو تطبيق العدالة، فوهب الله له حكماً.
وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً داود أيضاً كان على حق، وهنا نتعرض للسؤال التالي: إذا كان داود نبياً كسليمان، فكيف اختلف قضاؤهما، وهل كان كلا الحكمين صحيحاً، كما نستوحي من هذه الآية، إذا كيف يكون لواقعة واحدة حكمان مختلفان؟]
الجواب
أولًا: جاء في النصوص ما يوحي إلى أن الحكم الثاني كان بمثابة النسخ، حيث يسأل أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت له: قول الله عز وجل وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ قلت: حين حكما في الحرث كان قضية واحدة؟ فقال عليه السلام
[إِنَّهُ كَانَ أَوْحَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إِلَى النَّبِيِّينَ قَبْلَ دَاوُدَ إِلَى أَنْ بَعَثَ اللهُ دَاوُدَ: أَيُّ غَنَمٍ نَفَشَتْ فِي الْحَرْثِ فَلِصَاحِبِ الْحَرْثِ رِقَابُ الْغَنَمِ ولَا يَكُونُ النَّفَشُ إِلَّا بِاللَّيْلِ فَإِنَّ عَلَى صَاحِبِ الزَّرْعِ أَنْ يَحْفَظَهُ بِالنَّهَارِ وعَلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ حِفْظُ الْغَنَمِ بِاللَّيْلِ فَحَكَمَ دَاوُدُ عليه السلام بِمَا حَكَمَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ عليهم السلام مِنْ قَبْلِهِ وأَوْحَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إِلَى سُلَيْمَانَ عليه السلام: أَيُّ غَنَمٍ نَفَشَتْ فِي زَرْعٍ فَلَيْسَ لِصَاحِبِ الزَّرْعِ إِلَّا مَا خَرَجَ مِنْ بُطُونِهَا، وكَذَلِكَ جَرَتِ السُّنَّةُ بَعْدَ سُلَيْمَانَ عليه السلام وهُوَ قَوْلُ الله تَعَالَى
وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً
فَحَكَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُكْمِ الله عَزَّ وَجَلَ] [١].
ثانياً: جاء في حديث مأثور
[إِنَّ اللهَ أَرَادَ أَنْ يَكْشِفَ لِلنَّاسِ فَضْلَ سُلَيْمَانَ، وَأَنَّهُ وَصِيُّ أَبِيْهِ وَخَلِيْفَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ] [٢].
ثالثاً: إن داود لم يحكم إنما كان يناظر ابنه في الحكم، وبذلك أيضاً وردت أحاديث شريفة أخرى.
رابعاً: إن قيمة ما أتلفه الغنم في حقل القوم كانت بقيمة الغنم، وكانت هناك طريقتان لإستيفاء هذه القيمة: الأولى أخذ الغنم، والثانية أخذ نتاجها لعام واحد، وقد حكم كل نبي بطريقة معينة، وقد قال داود لسليمان بعد الحكم
[فَكَيْفَ لَمْ تَقْضِ بِرِقَابِ الغَنَمِ، وَقَدْ قَوَّمَ ذَلِكَ العُلَمَاءُ مِنْ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ فَكَانَ ثَمَنُ الكَرْمِ قِيْمَةَ الغَنَمِ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: إِنَّ الكَرْمَ لَمْ تُجْتَثَّ مِنْ أَصْلِهِ وَإِنَّمَا أُكِلَ حَمْلُهُ وَهُوَ عَائِدٌ فِيْ قَابِل][٣].
[١] الكافي: ج ٥ ص ٣٠٢.
[٢] نور الثقلين: ج ٣ ص ٤٤٣.
[٣] نور الثقلين: ج ٣ ص ٤٤٣.