من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٢ - من حقائق الهدى والمعرفة
ولا يهتدي بها، فإنّه يكون أظلم الظالمين.
وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ لقد نسي حقيقة رئيسية وهي: أنه إنسان غير عالم ولا فاضل، بل هو جاهل ومتورط في الجرائم، إنسان ظلم نفسه بارتكاب الخطايا والذنوب، فوقفت حاجزاً بينه وبين الهداية، لذلك ينبغي عليه أن يتسلح بالإرادة والعزم، وأن يتجاوز هذا الحاجز بدل أن يغفل وينسي ما قدّمت يداه.
من هنا نعلم بأن الوصول إلى الهداية بحاجة إلى تجاوز الصعوبات، وحسب التعبير القرآني إننا بحاجة إلى (اقتحام العقبة) ومن لا يقتحم العقبة، ويتسلح بالعزيمة الكافية لتجاوز الحواجز، فلن يهتدي أبداً.
إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ هناك حجب موجودة على قلوب هؤلاء، فما هي تلك الحجب؟ إنها الذنوب والمعاصي التي يرتكبونها، ويصرون عليها، فتتراكم على قلوبهم بصورة حجب سميكة، تحول دون نفوذ الحقائق إليها. فيجعل الله على قلوبهم أكنة.
وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً أي إنَّا جعلنا آذانهم تشكو من صعوبة السمع، والوقر هو: الشيء الثقيل، والإنسان عندما لا تسمع أذنه يحس وكأنَّ ثقلًا قد وضع فيها.
وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ما دامت الأكنة موجودة على قلوبهم، والوقر في آذانهم، وما داموا قد نسوا ماضيهم الحافل بالجرائم والذنوب، فلم يحاولوا أن يستعرضوا ويتأملوا خطورتها، ولم يتسلحوا بالإرادة الكافية لمقاومتها، فمن المستحيل عليهم أن يجدوا طريقهم إلى الهداية.
وإذا كانت الضلالة ظلماً، فلماذا لا يعجل الله عليها العقاب؟ يقول القرآن: تلك رحمة من الله، وفرصة ثمينة لمحاولة الرجوع إلى الهداية، فلا يغتر الإنسان بهذه الفرصة فإنها قصيرة ومحدودة.
[٥٨] وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا ليس باستطاعتهم أن يجدوا مهرباً يؤولون إليه، كما يحدث عادة على مستوى البشر حينما تريد السلطات أن تلقي القبض على شخص فإنَّ هذا الشخص يأخذ بالتفتيش عن مكان يختفي فيه، أو عن شخص له نفوذ لكي يتوسط له عند السلطة، أما عند الله فلا يوجد شيء من ذلك أبداً، فسلطته واسعة قوية قادرة، ولا مهرب منها أبداً.
والموئل هو: المكان أو الزمان الذي يحجب العقاب عن الإنسان.