من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٢ - وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين
إن أهم صفة للإله الذي يعبد هي: أن يكون قادراً على هداية الإنسان، لأن أهم حاجة للبشر هي حاجته إلى الهداية، ثم إن أبرز ميزة في الإنسان هي العقل والإدراك، فكيف يرضى بعبادة مالا يعقل.
[٦٦] لذلك فقد حطَّم إبراهيم عليه السلام في أنفسهم هيبة الأصنام، وأفهمهم إن المحور هو محور الهدى ومنطق الحق، لا محور الضلال ومنطق القوة قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ.
[٦٧] وأمام موقفهم الجاهلي المتغطرس، يواجههم إبراهيم عليه السلام بمنطق العقل، بكل هدوء وثبات ليستثير عقولهم التي حجبها الكبر والغرور، وعندما يرى إصرارهم يلجأ إلى الهجوم قائلا أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ومرة أخرى أكد إبراهيم عليه السلام على فضيلة العقل في الإنسان، وضرورة اهتمامه بها واستخدامها من أجل مصلحته وتكامل ذاته.
[٦٨] فلما أدينوا، ودحضت حجتهم الباطلة قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ وهذا كان آخر كلامهم، وهو: إن إبراهيمعليه السلام يجب أن يحرق، وأن ينتصروا للآلهة مادام عندهم القوة والقدرة، والرجولة والشجاعة.
فأعدوا منطقة واسعة من الأرض جمعوا فيها الحطب لمدة أربعة أشهر، ليس فقط من أجل حرق إبراهيم عليه السلام وإنما أيضاً من أجل إعادة هيبة الأصنام، فالطاغوت يعيش على الهيبة والإرهاب، وإذا فقدهما لا يبقى عنده شيء يسيطر به على الناس.
وكان لهم فلسفة أخرى وهي إشراك الناس في جريمة حرق النبي عن طريق دعوتهم للاشتراك في جمع الحطب وإعداد مكان لاحراقه، حتى لا تتحرك فيهم المشاعر الإنسانية والفطرية، ويثوروا على الطاغية نمرود، تماماً كما فعل ابن زياد الوالي الأموي بأهل الكوفة حيث بعث كل أهل الكوفة لحرب الإمام الحسين عليه السلام حتى يشركهم في جريمة قتل الإمام المفترض الطاعة، وبالتالي يأمن سخطهم وثورتهم مستقبلًا.
وصنعوا لنمرود مكاناً عالياً يجلس عليه ويتفرَّج على عملية حرق إبراهيم ثم توقفوا .. ماذا نفعل؟ النار كانت من الشدة بحيث تحرق كل من يقترب منها! فأوحى الشيطان إليهم بمكيدة فجاؤوا بالمنجنيق، ووضعوا فيه إبراهيم مغلولًا، ثم قذفوا به إلى تلك النار المستعرة قذفاً.