من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٩ - الجهاد حصن المقدسات
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ يبحث الإنسان المؤمن عن شرعية الجهاد، والله يعطيه هنا الشرعية بقوله أُذِنَ فلقد أذن الله للمعتدى عليهم المظلومين، أن يرفعوا راية القتال لرد ظلامتهم، وذلك لأنك، مهما أصابك من الظلم والاستضعاف، لا يجوز أن تيأس من النصر، بل جدَّد العزم لأنَّ الله قادر على نصرك، فما دمت تملك شرعية الجهاد و تحمل في جنبيك الأمل، وكان هنالك من يدافع عنك ويحميك، فماذا تنتظر بعدئذ؟ اقتحم كل حصن ووكر، وجاهد كل ظلم وانحراف، فإن قوة الله وعزته تتجلى في سواعد المؤمنين وبهم يدفع الله أعداءه وأعداء دينه، وأعداء البشر.
[٤٠] الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ هذه أبرز صورة من صور الظلم الذي قال عنه سبحانه بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ذلك لأنَّ أولئك الذين قالوا ربنا الله بصدق، هم الذين رفضوا تسلط الطغاة، وقاوموا هيمنة الجبارين. الذين أرادوا فرض قوانينهم وثقافتهم على الناس. فكفروا بهم وآمنوا بالله الواحد. ثم استقاموا وأخرجوا من ديارهم لأنهم احتفظوا باستقلالهم. ولعلَّ الطغاة لم يفرضوا عليهم الخروج بل إنهم هاجروا خشية بطش الجبارين، واستعدوا للقتال حتى تحرير الناس من هيمنتهم. كما فعل المسلمون عندما أمرهم الله ورسوله بالهجرة إلى المدينة. حيث نزلت الآية فيهم وجرت في غيرهم.
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام فِي قَوْلِ الله تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ قَالَ
[نَزَلَتْ فِي رَسُولِ الله صلى الله عليه واله وَ عَلِيٍّ وَ حَمْزَةَ وَ جَعْفَرٍ وَ جَرَتْ فِي الْحُسَيْنِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَجْمَعِين
] [١].
وكلمة رَبُّنَا اللَّهُ هي هدف الهجرة وهدف الجهاد، وهي في ذات الوقت وسيلة النصر وسبب الفتح. إذ إن أهم شروط الانتصار الاتجاه الكلي إلى الله، والمحافظة على استقلالية العمل في سبيله، وألا يتصوّر المؤمنون يوماً أن النصر يمر عبر التعاون مع مراكز الظلم والانحراف والاستكبار، لأنهم أعجز من القدرة على نصرنا، وهم أعجز من نصر أنفسهم، بل إن الله أمرنا بمقاومتهم لأنهم مصدر بلاء الناس، وهم المسؤولون الحقيقيون عما يجري على المؤمنين.
فهؤلاء المخرجون من ديارهم هم المظلومون الذين تكفل الله بنصرهم وبتأييدهم، شريطة أن يتجهوا إليه سبحانه.
وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ
[١] الكافي: ج ٨ ص ٣٣٧.