من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٧ - هدى الله معراج الفضيلة
[١٢٤] وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي من يعرض عن ذكر الله، وعن الحق، وأبرز قضاياه هو تولي القيادة الشرعية، فإنه لا يعرف كيف يستفيد من الحياة لذلك يشقى فيها.
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً أي معيشة ضعيفة تضغط عليه وتجلب له التعاسة، برغم مظاهر الثروة التي قد يكون متلبساً بها ويغبطه الناس عليها، والواقع: أن ضنك العيش يتمثل في واحد من بعدين
١- فقد يكون بسبب نقص الوسائل المادية التي توفرها المناهج الإلهية، والتي لن توجد من دونها إلا مؤقتة ومشوبة بالمشاكل الأعظم منها.
٢- وقد تضيق النفس بالحياة وتصبح حرجة قلقة، غير مطمئنة ولا راضية حتى ولو توفرت الوسائل المادية، إذ النفسية المعقدة التي تتراكم عليها الصفات الرذيلة كالحسد والحقد والكبر والغرور يعيش صاحبها في زنزانة ضيقة ولو كان جس- مه في روضة فيحاء.
وفي السياق إشارة إلى بعض جوانب السعة والضيق في القلب.
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ولماذا يعمى الإنسان في الآخرة؟ لأنه قد ترك الانتفاع بالبصيرة في الدينا، ذلك لأنَّ العمى في القرآن منه ما هو عمى البصر ومنه ما هو عمى البصيرة، كما قال الراغب في قوله سبحانه وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الأسراء: ٧٢] فالأول: على عمى البصيرة والثاني: على عمى البصر] [١]، ولعلنا نستطيع أن نعبر عن عمى البصيرة بعدم الوعي، والذي يعمى عن النور لا بد أن يعمى عما يضيئه ذلك النور من الحقائق، فهدى الله نور جاء ليضيء الحقائق، ويبين السنن الحاكمة في الحياة، وبديهي أن من يعرض ببصره وبصيرته عن رؤية ذلك الهدى، سيعمى عن حقائق الحياة وسننها، وسيصعب عليه تمييز الخير عن الشر، وسيتجسد في الآخرة في عمى ظاهر هو عمى العين، لذلك يقول تعالى
[١٢٥] قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً يبدو من الآية أن الرجل لم يكن من الكفار، إنما ممن نسي آيات الله بعد أن جاءته، ولذلك احتار في سبب عماه وتساءل رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وأضاف وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ولو كان كافراً إذا لم ينسب نفسه إلى البصر، وربنا حين أجابه، ذكَّره بأنه نسي آيات الله، ولم يقل أنه لم يؤمن بها، هكذا جاءت النصوص تفسر الآية بمن ترك الولاية الإلهية أو الحج المفروض، فقد روى أبو بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول
[مَنْ مَاتَ وهُوَ صَحِيحٌ مُوسِرٌ لَمْ يَحُجَّ، فَهُوَ مِمَّنْ قَالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
[١] مفردات غريب القرآن: ص ٣٤٨.