من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٣ - رب احكم بالحق
بالتعريض لا بالتصريح، وأثبت حجة الله تعريضاً لا تصريحاً [١].
[١٠٨] لماذا كانت رسالات الله رحمة، وما هو جوهر هذه الرحمة الالهية؟.
إن جوهر الرحمة الدعوة إلى توحيد الله، ونبذ الشركاء من دونه، ذلك لأن تحرر الإنسان من عبادة الهوى، وتمرده على الضغوط، وخلاصه من نير الطغاة والمستكبرين، وارتفاعه إلى مستوى (عبادة الله وحده) هو قمة الاستقلال والحرية والكرامة.
إن حب الاستقلال والحرية والكرامة غريزة فطرية عجنت بها طينة البشر، ولكن لم يتخلص الناس عملياً من الظلم والاستعباد، لماذا؟.
لأنَّ البشر بحاجة إلى من يوقظ هذه الفطرة ويثيرها ويبعثها ويعطيه عزمة إرادة ومنهج عمل وضياء أمل، وليس ذلك إلا عند الرسل، فهم ومن سار على نهجهم من عباد الله الصالحين يحررون- بإذن الله- البشر من القهر والإستعمار وسيطرة الأقوياء.
قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ إنها دعوة بالغة الصراحة إلى الاستقلال والحرية والكرامة، وإنها لعهد بين الرسول ومن أرسل إليهم بأنه لا يريد استعبادهم، بل تحريرهم، ولكنه يطالبهم بالتسليم للحق لكي ينجيهم من عبودية الباطل.
[١٠٩] ولا يطالبهم الرسول بأجر، ولا يدعوهم لمصلحة عنده إنما يَمُّن الله عليهم إذ ينذرهم بعذاب عظيم هم غافلون عنه ويقطع عذرهم بالجهد لهم بالإنذار، وهو سواء معهم في أنه مخاطب أيضاً بالإنذار كما أن القريب والبعيد منهم شرع سواء.
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ إيذان شامل لكل الناس وإنذار مبين من الله رب العالمين لا دخل للرسول بتفاصيله، فهو أيضاً لا يدري متى يأمر الله بالعذاب، وإذا لم يكن رسول الله حامل الإنذار يدري فمن- يا ترى- يدري؟ لا أحد، ولقد قرأنا في سورة [طه: ١٥] قوله إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى، فجاءت الرواية [٢] تفسر الآية: أكاد أخفيها من نفسي لأن الله لم يحدد للساعة وقتاً.
ياهول المفاجأة، الساعة آتية بما فيها من فظائع الهول، وعظائم الأحداث، ولا يعرف
[١] بحار الأنوار: ج ٩٠ ص ١٢٣.
[٢] بحار الأنوار: ج ١٣، ص ١٠٧.