من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٨٠ - هكذا نتحدى عقبات الإيمان
بينما نجد هذه النظم حين زرعوها في العالم الثالث، لم تنبت إلا مزيداً من التخلف، ولم تلد سوى الدمار، وهكذا عرفنا بأنه لم تكن هذه الأنظمة سبباً لتقدم هذه الدولة أو تلك.
والعمه هو: العمى الذي يصيب الشخص منذ ولادته، فلا يستطيع أن يميِّز شيئاً أبداً، بينما الذي يدركه العمى بعد أن يكون بصيراً مدة من الزمن، فإنه قد يستطيع أن يميِّز بعض الأشياء، اعتماداً على ذاكرته وحواسه.
[٧٦- ٧٧] وكذلك لو أخذهم الله بألوان العذاب، فإنهم لا يرجعون عن انحرافهم، ولا يتضرعون إليه، بل تجدهم يعتمدون على هذا وذاك من دون الله، فالمجاعة يكون حلها عندهم بالاعتماد على معونات الأنظمة الكافرة. بدل أن يكون علاجها بالعودة إلى الله، والتضرع إليه، وتغيير الذات، والسعي، والتعاون، والعلم، والعدالة وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ جاء في رواية عن الإمام الباقر عليه السلام
[الِاسْتِكَانَةُ هُوَ الخُضُوعُ وَالتَّضَرُّعُ هُوَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ وَ التَّضَرُّعُ بِهِمَا] [١].
هناك نوعان من العذاب
١- عذاب الابتلاء: وهدفه تغيير الإنسان فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [الأنعام: ٤٢]. وعادة لا ينتفع البشر بهذا النوع من العذاب.
٢- عذاب الانتقام: وهو إذا أنزل فلا مرد له، كالعذاب الذي حلَّ بفرعون وقومه، لأنه آمن متأخراً، ومن دون فائدة. وهذا النوع من العذاب يهز الإنسان من الأعماق إلى درجة أنه يبلس، أي تختلط مشاعره، ويبقى في حيرة، ولا يعرف كيف يتصرف حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ.
[٧٨] وبعد أن ذكَّرنا القرآن بالعقبات التي تعترض طريق الإيمان، يذكِّرنا الآن بالله وآياته، فالإنسان إذا عرف العقبات والحجب التي تمنعه من الإيمان، وتحداها بقوة الإرادة، وبتذكرة الله، فإنه يكون آنئذ مستعدا للتذكرة بالله، ويفهم القرآن، ويزداد به إيماناً.
وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وهما نافذتا العقل على المعرفة وَالأَفْئِدَةَ وهي أهم من السمع والأبصار، لأنه لو عطب عن العمل فلن ينفعا أبداً، إلا أننا قلما نشكر الله على هذه النعم. قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ.
[٧٩] وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ذرأ بمعنى: خلق وأظهر، ولعلَ
[١] الكافي: ج ٢ ص ٤٧٩.