من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٨٤ - سيقولون لله قل أفلا تذكرون
ولكن الخالق البارئ يرجع المسألة لعواملها الأولية، ويلقي بمسؤولية الانحراف على نفس الإنسان فيقول قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [الأنعام: ١٠٤].
٥- وتبقى هناك عقبة كأداء وهي عقبة الاعتماد على الآلهة المزيفة، التي خلقتها شهوات النفس، وظلام الجهل لتبرير واقعها المعاش، والاعتقاد بأن لله ولداً، أو وسائل أخرى توصل إليه سبحانه غير التي بينها لهم، وبأنَّ هناك آلهة صغاراً يمكن أن يشفعوا للإنسان من دون الله، ويحجهم سبحانه بقوله: إنَّه لا يتخذ ولداً، وأنتم تعلمون أيها البشر بفطرتكم، وبهدي عقولكم بأن الله هو مالك السماوات والأرض، وصاحب العرش العظيم، وعالم الغيب والشهادة، والظاهر، والباطن. فكيف لا يعلم بوجود ولد له أو شريك؟! وإنكم إنما تخدعون أنفسكم، وتتوهمون، وتزعمون بوجود شركاء لله أو أولاد، لتخلصوا أنفسكم، تنقذوها من غضب الله.
هذه هي الحجب الخمس والمتدرجة التي لا بد أن يخرقها المؤمن بإرادته- بعد ذكر الله- ذلك مما نستوحيه من السياق في هذا الدرس حيث يقول ربنا أَفَلا تَذَكَّرُونَ إشارة إلى حجاب الغفلة، ويشير إلى حجاب الشهوات بقوله أَفَلا تَتَّقُونَ وإلى حجاب التضليل والإسحار بقوله فَأَنَّى تُسْحَرُونَ وحجاب التكذيب وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وبالتالي إلى أكبر الحجب وأخطرها وهو الشرك فيقول سبحانه فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
إن هذه الوساوس من همزات الشياطين، والهمزة مفرد همزات، وهي: الدفعة القوية، والشيطان يدفع بالإنسان نحو الكفر، والشرك بالله دفعاً قوياً، فعلى الإنسان- الضعيف، الغافل، الظلوم، الكفار- أن يتوسل بقوة الله وقدرته، ليقيه شر هذه الهمزات لأنه لا حول له ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ومن دون التوكل على الله، والاعتماد عليه والاستعاذة بقوته والاعتصام بكلمته العليا، فإنه سينهار أمام هذه الدفعات النفسية الشهوانية للشيطان- وصدق الله العلي العظيم- حينما يقول وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ.
ويلعب الشيطان دورين في حياة الإنسان
الأول: دفعه نحو الاعتقادات الخاطئة، والممارسات المنحرفة، ولو بشكل تدريجي.
الثاني: الحضور الدائم له في النفس البشرية، ودور المراقبة والمرافقة. حيثما تحرك وتفكر ليضله في كل جزيئة.
لذا على الإنسان أن يستعيذ دائماً بالله من الشيطان، والوسواس الخناس، واللجوء إلى حصن الله، والتمسك بحبله، و عروته الوثقى.