من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٥ - فهب لي من لدنك وليا
فهذه آية غريبة ..
لقد فكرت بهذا الموضوع ووصلت إلى هذه النتيجة وهي: أن السكوت والصمت في بعض الأحوال يكون أبلغ أثراً من أي كتاب أو كلام لسببين
١- لأن هذا السكوت يجعل صاحب القضية غير عابئ بما يقول السفهاء عنه، وصامداً أمام محاولات التشكيك من قبل الأعداء.
٢- ولأنه يجعل الناس يعودون إلى أفكارهم، ويتحملون مسؤوليتها، فليس بالضرورة أن يتكلم الداعية ويهدي الناس بلسانه دائماً، بل يلزم عليه أحياناً أن يدعهم بدورهم يفكرون، وإذا فكروا فإنهم كثيراً ما يصلون إلى الحقيقة، لذلك بعد الثلاثة أيام استغّل زكريا عليه السلام الموقف، وأخذ يتحدث مع الناس في مواضيع أخرى غير قضية ولادة يحيى عليه السلام وما يحيط بها من ملابسات كانت تستغرق منه وقتا طويلًا لتبيينها للناس.
وهكذا فإن العمل في سبيل الله يتطلب تجاوز الجدال في القضايا الشخصية إلى معالجة القضايا العامة، ونشر القيم الرسالية، ويشير القرآن الكريم إلى هذه الفكرة فيقول
[١١] فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً كانت الفترة التي اعتزل الناس فيها، واعتكف في المحراب يعبد الله ولا يتكلم مع أحد، كافية لكي يفكر الناس، ويتأملوا، وبالتالي ينتبهوا إلى موضوع طالما يغفل الإنسان عنه في غمرة أحداث الحياة وشؤونها، وهو قدرة الله التي تدبر الكون، وتدبر أمور العباد، ولذلك وجد زكريا عليه السلام الأرضية مهيأة لأن يدعوهم إلى الالتزام بحكم الله وشريعته، وهذا هو معنى التسبيح العملي.