من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٥ - لماذا الامتراء وكيف نزيله؟
في البداية ينشأ التحزب ثم يتبعه الاختلاف، فلكي أجمع أنا مجموعة من الناس حولي ولكي يجمع منافسي مجموعة أخرى من الناس حوله، فلابد أن نخلق نوعاً من الاختلاف بيننا حتى أكون أنا شيئاً وهو شيئاً آخر، وخيال البشر يستطيع أن يكشف أبداً بعض الفروقات، وأن يخلق بعض الأمور الخلافية، لأن الخلاف ليس أصلًا إنما هو فرع للتمحور الذاتي. ولكن تتبخر هذه الخلافات التحزبية المصطنعة في يوم القيامة.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ يذكّرنا القرآن بأن هذا الخلاف لم يكن خلافاً دينياً، ولم يكن من أجل الله، إنما كان من أجل شهواتهم وأهوائهم بدليل وصفهم بالكفر، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وعبارة مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ تشير إلى موقفهم يوم القيامة.
[٣٨] أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لو تراهم ولو تسمعهم في ذلك اليوم الذي يأتون فيه إلى الله سبحانه لاكتشفت بأن الظالمين في هذه الدنيا كانوا في ضلال مبين، فبدل أن يبحثوا عن طريقة لإنقاذ أنفسهم من نار جهنم، ومن أهوال يوم القيامة، فإنهم أخذوا يبحثون عن الدنيا وعن بعض الشهوات البسيطة والأنانيات والخلقيات الضيقة.
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ أي ليكن سمعك وبصرك متوجهاً إلى هؤلاء في ذلك اليوم حتى ترى وتسمع واقعهم وهم يقفون خائفين مرتجفين في المشهد العظيم أمام الله سبحانه وتعالى.
لَكِنْ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ إنّ الظالمين اليوم في ضلال ظاهر يمنعهم عن إحساسهم بذلك عدم تصورهم للمصير ولو تصوروه لما اختلفوا، بل اتخذوا الدين مقياساً لهم، ولتحاكموا إليه بدل أن يختلفوا فيه.
[٣٩] وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ أعمالهم- أفكارهم- طاقاتهم تذهب سدى، ويقي لديهم شيء واحد يكون زادهم إلى القيامة، وهو الحسرة والندامة، لأنهم في ذلك اليوم لا يجدون طريقة للعودة ولا يجدون فرصة أخرى لتصحيح مسيرتهم وإصلاح ما أفسدوه من أنفسهم.
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ لكنَّ الناس اليوم في غفلة عن ذلك اليوم، وهم لا يؤمنون، وعندما يزعمون أنهم مؤمنون فإنهم يكذبون؛ لأنهم لو كانوا كذلك لما اختلفوا، ولما تحزبوا، بل اعتصموا جميعاً بحبل الله.
وقد جاء في حديث عن رسول الله صلى الله عليه واله قال
[إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَ أَهْلُ النَّارِ النَّارَ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّة فَيُشْرِفُونَ وَ يَنْظُرُونَ وَ قِيلَ: يَا أَهْلَ النَّارِ فَيُشْرِفُونَ وَ يَنْظُرُونَ فَيُجَاءُ بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ فَيُقَالُ لَهُمْ: تَعْرِفُونَ الْمَوْتَ فَيَقُولُونَ: هُوَ هَذَا وَ كُلٌّ قَدْ عَرَفَهُ قَالَ: فَيُقَدَّمُ