من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٦ - خلق الإنسان من عجل
أولًا: حالة الاستعجال عند الإنسان. حيث يعتقد بأن تأخر الجزاء دليل على أن العمل لا يستلزم الجزاء، وهذا يمنعه من التفكير الجدي في الحياة، لأنَّ أكثر الأعمال لا يأتي جزاؤها إلا بعد حين، حسب حكمة الله وتقديره.
ثانياً: الشرك. وهو من الحجب النفسية التي تمنع الإنسان من الإيمان بمسؤوليته الملقاة على عاتقه، والذين يشركون بالله بأي شكل وتحت أي عنوان كان، إنما يهدفون أساساً إلى التخلص من مسؤولية التوحيد، والتي تتطلب قدراً من التضحية والصبر، وتحدي عامل الزمن، ولكنهم بعدولهم من الحق إلى الباطل، يعرضون أنفسهم للجزاء المرهق والعذاب الدائم، في مقابل راحة وقتية وهمية ركنوا إليها بجهلهم وحمقهم.
ثم يشير القرآن إلى فكرة هامة وهي إن الجزاء يأتي في اللحظات التي يزداد فيها غرور الإنسان بنفسه، فالمجتمع في بداية حياته يكون حذراً، ولكن عندما يطول عمره، وتكثر النعم والخيرات عنده، فإنه ينسى حذره ويركبه الغرور ويعتقد: إن ما عنده من الراحة والمتعة سيكون أبدياً، ومع استمراره في الحياة، وإزدياد غروره، فإن سلبياته تتكاثر ويزداد ظلمه، فيتراكم جزاء أعماله وفي لحظة واحدة، يفاجئه الجزاء ويدمر عليه كل شيء، وهذا قانون اجتماعي ثابت لا يستثنى منه مجتمعاتنا في هذا الزمان.
بينات من الآيات
[٣٧] يستعجل الإنسان الجزاء لأنه خلق من عجل ولكن ما هو العجل، وكيف خلق الإنسان منه؟.
بعضهم قال إن العَجَل الذي خلق منه الإنسان صفة له، وكأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يركز الضوء على خاصية بشرية في خلقة الإنسان وتكوينه، وليست صفة عارضة تكتسب من البيئة المحيطة به.
وبعضهم قال إن المقصود بالعَجَل الطين، أي إن الإنسان قد خلق من مادة دنيئة ذات صفات سلبية، ولذلك فهو يتعجل الأمور ولا يملك الصبر عليها بطبيعته المادية المحضة.
ويبدو إن العَجَل يعني شيئاً آخر أبعد أفقاً، وأكثر عمقاً، وهو إن الزمن قد جُعِلَ من عوامل خلقة الإنسان وأحد عناصره، شأنه شأن كل مظاهر الطبيعة المسخرة له، فكل المخلوقات والموجودات التي نراها في أرضنا وسمائنا، يشكل الزمن جزءاً من طبيعتها وتركيبها.
ولقد كشفت لنا الفيزياء الذرية عن هذه الحقيقة، بسلسلة من التجارب العملية، حتى لم