من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٧ - موسى عليه السلام يحمل رسالات الل - ه
طلب موسى من ربه أشياء لم تكن مجرد طلبات، بل كانت أيضاً قرارات أقرها موسى على نفسه.
إنك لا تدعو ربك بدعاء إلا بعد أن تقرَّر الوصول إلى ما تدعو الله له بكل وسيلة مادية مقدورة لك، وتدع بقية الوسائل التي لا تستطيعها إلى الله سبحانه. إذا دعوت الله أن يطعمك فلا يعني ذلك بأن تجلس في بيتك إنما عليك أن تبحث عن أرض صالحة وعن طريقة لتوصيل الماء إليها، وعن حبٍّ تزرعه فيها، وعن عملية مبتكرة للزراعة والسقاية والحرث والحصاد، ثم تطحنه وتخبزه وتحضره، وآنئذ تأكله.
وأنت في هذه المسيرة الطويلة تتعرض لصعوبات وعوامل مضادة لعملية الزراعة، تلك العوامل المضادة التي ليس في وسعك التغلب عليها، فتدعو الله أن ينصرك عليها، أما العوامل التي تستطيع أن تقوم بتوفيرها عملياً فينبغي أن تسعى من أجلها، هذا هو جوهر الدعاء.
وهكذا كانت طلبات موسى عليه السلام تعني: أن حمل الرسالة بحاجة إلى هذه الشروط الخمسة
الشرط الأول: سعة الصدر، فسعة الصدر آلة الرئاسة ولا يستطيع الفرد أن يصل إلى الرئاسة الحقيقية بحمل الرسالة وتبليغها إلى الناس، من دون أن يكون صدره واسعاً، وسعة الصدر تعني الصبر، وعدم الحزن أو التأثر من كلام المخالفين و الجاهلين، وبالتالي فإنَّ صاحب هذه الصفة يستطيع أن يصدع بالحق دون أن تأخذه في الله لومة لائم، أو يتأثر بإعلام الناس.
الشرط الثاني: هو القدرة على الحديث والبيان، فلقد كان موسى تمتاماً لا يحسن الإعراب والإفصاح في حديثه عما يريده.
الشرط الثالث: بذل الجهود المكثفة لإفهام الناس رسالة الله وأحكام شريعته، فليس وظيفة حامل الرسالة أن يكره الناس على تطبيقها تحكماً واستبداداً، وعوها أم لم يعوها.
الشرط الرابع: هو أن يبحث حامل الرسالة عمن يؤازره، ويشترك معه في أمره، وينبغي أن يكون أقرب الناس إليه.
الشرط الخامس: هو أن يكون هو مع هذا الوزير بهدفان إلى تسبيح الله وذكره، والدعوة إليه لا الاستعلاء في الأرض، والطغيان على الناس.
وهذه الشروط تنبه إليها موسى عليه السلام حينما حمل الرسالة، وكان في ذلك دليل على أن اختيار الله موسى لرسالته إنما تمَّ بحكمته البالغة، إذ إن الله أعلم حيث يجعل رسالته، فلننظر كيف يحاور موسى ربه.