من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٩ - الموقف السليم من السلطة
شعور الإنسان بالثقة بذاته، وبقدرته على التغلب على ضغوط الحياة، لما استطاع أن يصبح إنساناً صالحاً مستقيماً.
رابعاً: إن على المؤمنين أن يعملوا من أجل رفاهية الإنسان في الأرض، وأن الإسلام لم يأت لمصلحة طائفة معينة من البشر وليس هدف الحكومة الإسلامية بناء دولة قوية ذات صناعة متقدمة، بل عليها أن تسعى من أجل كل المستضعفين في الأرض، سواء كانوا مسلمين أو لم يكونوا، لأنَّ الإنسان كإنسان محترم في الإسلام وعلى المؤمن أن يعمل من أجل رفاهية الإنسانية عامة.
وكذلك الجماعة المؤمنة ليس هدفها السلطة، إنما عليه السعي من أجل الناس، لرفع الضيم عن كل الناس، نعم .. قد تصبح السلطة أداة لتنفيذ هذه المهمة، ولكن السلطة بحد ذاتها ليست هدفاً.
إن الإسلام لا يدعوك إلى العنصرية بأن ترى نفسك أحسن من الآخرين، وتعتبر نفسك مركز الدنيا فتسعى من أجل إيصال نفسك إلى مركز القدرة. إن تلك العنصرية يعارضها الإسلام بقوة، وهي الانحراف الذي وقع فيه اليهود في التاريخ. فبعد أن كانوا مجموع- ة عاملة من أجل الناس أصبحوا مجموعة عاملة من أجل أنفسهم على حساب الناس، فاعتبروا أنفسهم أبناء الله وشعبه المختار.
لقد كان ذو القرنين عبداً صالحاً، تحرك في العالم شرقاً وغرباً، ومن الطبيعي أن أبناء العالم ذلك اليوم لم يكونوا مؤمنين، ولكنه حينما وصل إلى منطقة معينة، وطلب منه أهلها أن يبني لهم سداً، لم ينهرهم بل قال: نعم، إن الله مكنني وأعطاني السلطة من أجل رفاهية الإنسان، من أجلكم أيها المحرومون سواء كنتم مؤمنين أو غير مؤمنين، فبنى لهم السد ولم يطالبهم بأجر، وهذا مثل أعلى للدولة الإسلامية.
فلنفترض أنه قد أصبحت دولة إسلامية بمستوى الدول العظمى في القوة والسلطة، فهل تبحث مثلها عن أسواق جديدة لتصدير سلعها؟ ومواد خام جديدة لتستفيد منها؟ أو شعوب جديدة لتستعمرها؟ كلا .. إنما يجب أن تسعى تلك الدولة المسلمة الغنية من أجل رفاهية الإنسانية في العالم، وتبحث عن أي مظلوم في العالم فتهرع إليه لتنقذه من الظلم، وتبحث عن أي محروم لتنتشله من الجوع والحرمان.
هذا هو هدف الأمة الإسلامية، وهذه في الواقع هي الحدود التي تفصل بين الإيمان والجاهلية، فليست الحدود هي الشعارات والكلمات، وحتى الطقوس والعبادات، إنما المؤمن