من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٤ - وحدة الرسالات والأنبياء
قدوات في حياته، وإن أفعال الأنبياء عليهم السلام وصفاتهم وسيرتهم، وإن اختلفت صورها، فإنها واحدة في المحتوى، وإن وحدة الأفعال والصفات والسير عندهم هي بقدر يكفي الإنسان للإقتداء بهم.
وبالرغم من أن القرآن الكريم في هذه السورة بالذات لم يبين جوانب عديدة من حياة الأنبياء، إنما أشار إلى أسمائهم وإلى أبرز صفاتهم إشارة خاطفة، لكنَّه مع ذلك يقول في نهاية قصصهم إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٩٢]، لماذا؟ لكي يقول لنا بأن هذه المجموعة هي المجموعة (القدوة) وهي المجموعة (الإمام) بالنسبة اليكم أيها البشر.
ولتأكيد هذه الفكرة تشير هذه الآيات والتي قبلها إلى هؤلاء وتأتي بأسمائهم متتالية بالرغم من إنهم كانوا في عصور مختلفة وأمصار متفرقة، حتى إن القرآن أتى بإسمائهم بصورة غير مرتبة تأريخياً.
فيذكرنا بموسى ثم بإبراهيم ثم بنوح، ثم بسليمان وأيوب، ثم بإدريس، وبين هؤلاء آلاف السنين، وإن أحدهم قبل أو بعد الآخر، وذلك لكيلا يقول فرد أو مجتمع ما إنني أتبع النبي الأخير ولا أتبع النبي الأول، أو إنني أومن بالنبي الأوسط أو الأول دون الأخير، فكلهم نور واحد، ويجب علينا أن نقتدي بهم جميعاً.
والقرآن الحكيم يتبع ببيانه للقصص والأحكام والعبر والأمثال، خطاً واحداً هو خط التوحيد، والتوحيد هو: صبغة القرآن التي يضعها على كل قصة، وعلى كل عبرة، وكل حكم تشريعي، وكل رؤية وبصيرة.
وإن لله سبحانه أسماء حسنى ويهدينا الذكر إلى أسماء ربنا العزيز، ومن هنا تجد وكأنَّ كل سورة من سور القرآن قد خصصت لبيان اسم من أسماء الله الحسنى، وهذه السورة بالذات تبين اسم المجيب حيث إن الله قريب من الإنسان، يستجيب له ويسمع نداءه والأنبياء عليهم السلام بعد أن توكلوا عليه في أشد لحظات حياتهم، فإذا به يستجيب لهم وينصرهم، ويعطيهم أكثر مما طلبوا.
وهذه من خصائص فضل الله سبحانه وتعالى، إذا فتحت أبواب رحمته فإنها تفيض من كل جانب لكثرتها وتنوعها حتى تكون حياتك أضيق من استيعاب كل رحمة الله، كما إذا فتحت أبواب السماء بالمطر كيف نرى الأرض عاجزة عن استقبال أمطار السماء حتى أنها تعيد الزائد منها إلى البحار مرة أخرى.