من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٧ - من هم المؤمنون
الماء من كل ناحية فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ فلا توقظهم إلا صاعقة العذاب. تأتيهم بغتة.
[٥٥- ٥٦] والسؤال لماذا يفرح هؤلاء؟ لأنَّ غاية ما يطمحون له أن يصبحوا أصحاب مال وبنين، ولفرط حبهم لذاتهم، ولما يتعلق بهم خاصة من مال وبنين تراهم يجعلونهما مقياساً للخير والصلاح، ويزعمون بأنه لو لم تكن أفكارهم صائبة، ولم يكن الله راضياً عنهم إذا لم يكونوا يحصلون على المال والبنين، وبالتالي إن حصولهم عليهما في الدنيا دليل صلاحهم، و حصولهم على الفلاح في الآخرة، كما قال قائل منهم وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً [الكهف: ٣٦].
ولا يزال العالم المادي اليوم يعتبر ميزان التقدم الدخل القومي، ويزعم بعضهم أن الله معه، لأنه أصبح أشد بطشاً وإرهاباً في الأرض، ويكتب على أوراقه النقدية- بالاعتماد على الله، ثم يتلاعب بمصير الشعوب بتلك الأموال- حاشا لله- إنه لا يسلط الظالمين على البشرية، ويرضى عنهم.
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ هل يتصور هؤلاء أن الخير والكمال هو المال والرجال؟ وأننا حين نعطيهم ذلك يعتبر حباً منا لهم أو رضى بهم؟!.
بَل لا يَشْعُرُونَ لأن الخير الحقيقي هو فيما يقوله القرآن، لا ما يملكون، وهو أيضاً ما يجسده الذين تتحدث عنهم الآيات التالية
[٥٧] إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ فالمؤمنون يعملون، ولكنهم لا يغترون بعطائهم، بل يشفقون على أنفسهم، لأنهم يعرفون أن هذه الأجساد لا تحتمل لهب النار، فيبقى همهم وشغلهم الشاغل هو إنقاذ أنفسهم من جهنم، ويكررون في دعائهم قوله تعالى وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]، وفي الآية القرآنية فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران: ١٨٥].
وتؤكد هذه الآية وما بعدها على الفروق بين التجمع المؤمن، والآخر المصلحي القائم على أساس المال والرجال، وهي
ألف: الإشفاق من العمل، فدائماً ما يستقل المؤمنون أعمالهم، ويساورهم هاجس التقصير، بما يحسسهم أنها قد لا تبلغ مرضاة الله، مما يزيدهم عزيمة وإصرارا على العطاء الأكثر، والإخلاص الأنقى، أما المنافقون فإنهم يفرحون بأعمالهم ويكبرونها، فلا يقبلون الانتقاد بما