من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٦ - من هم المؤمنون
سنة، وما يعلمه من واقع كل إنسان ومجتمع.
والمشكلة أن الإنسان الذي يغمره إحساس ساذج بالإيمان الصادق لا يكتشف خطأ ادعائه إلا بعد فوات الأوان. حيث ينقله الموت من دار البلاء والعمل، إلى دار الحساب والجزاء، فلا يستطيع أن يغير من أمره شيئاً.
إذن لابد أن نضع مقاييسنا الذاتية جانباً، ونبحث عن الموازين الحق الإلهية لتكون حجة بيننا وبين الله سبحانه، عند الحساب والجزاء. لا لكي نقنع الآخرين بأننا مؤمنون، لأنهم يقتنعون منا، بما يقتنعون من أنفسهم من ممارسة الشعائر الظاهرة، ثم ماذا تجدي الإنسان قناعة الناس سوى بعض المصالح المحدودة في الدنيا؟ ولعلَّه يظهر على حقيقته يوماً عند الناس أيضاً أن المهم هو أن يكون الله راضيًّا عنا.
وفي هذه الآية يضع القرآن الحكيم المقياس الاجتماعي الذي يميز المنافق عن المؤمن، وهو مقياس الوحدة الإيمانية، فلو ادعى جماعة أنهم مؤمنون، ثم تفرقوا أحزاباً وشيعاً. انطلاقاً من أهوائهم ومصالحهم، فإنَّ ادعاءهم سيكون باطلًا وسخيفاً، لأنَّ المؤمنين تجمعهم كلمة واحدة هي كلمة التوحيد، وأن التقوى هي محور نشاطهم، وصبغة أعمالهم وحياتهم وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ.
[٥٣] فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً لكي نعرف المؤمنين، لابد أن نعرف المنافقين الذين يتناقضون معهم، فبينما يتجه المؤمنون للوحدة على أساس القيم والقيادة الرسالية. نرى هؤلاء في سعي حثيث للنيل من الوحدة بتمام معنى الكلمة، وكلمة فَتَقَطَّعُوا مبالغة في التقطيع، فهؤلاء يسيرون في نفق التقسيم، والفرقة. بحيث تنقسم كل جماعة على نفسها باستمرار.
كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ إن الأساس في هذه الفرقة، وهذا الانقسام هو اغترار كل بما لديه من رجال، ومال، وأفكار، بينما نجد المؤمنين مشفقين من خشية ربهم، والفرح هو آية الغرور، ويبدو أنه يعكس حالة الرضا عن النفس.
وإن الفرح هو السبب المباشر للتحزب. حيث إن قصر نظر الفرد، وحرج صدره، وضيقه، وتفاهة أهدافه، وتحقيره لنفسه، ولقدراتها. كل ذلك يجعله معجباً بنفسه، وبما يملك، ويزعم أنه وما يتصل به أفضل مما سواه، فيتقوقع على ذاته، ولا يعترف للآخرين بفضل، ولا يرى الأهداف العظيمة التي تحتاج إلى الوحدة، وتراكم الجهود.
[٥٤] ويشبه القرآن هؤلاء حينما يطغى عليهم الإعجاب، والفرح بالغريق الذي يغمره