من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٤ - النداء المقدس
إن القرآن يضع مسؤولية الهداية والتربية على الإنسان نفسه، فلا تنتظر أيها الإنسان، مساعدة من غيرك في تنبيهك من غفلتك، بل يتوجب عليك أن توقظ نفسك بإستمرار من تلك الغفلة، وإلا تعرضت للأخطار الجسيمة، وصار مصيرك في الآخرة إلى عواقب وخيمة.
وهذا التنبيه المستمر، يتم عبر إقامة الصلاة بشرائطها وحدودها الصحيحة والمحافظة على جوهرها، والحيلولة دون تحولها- مع مرور الزمن- إلى شكليات وطقوس فارغة من كل محتوى، وطريقة ذلك كما يرشدنا إليها الحديث الشريف
[خَفِ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ وَإِنْ كُنْتَ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ] [١].
وكلمة أَكَادُ أُخْفِيهَا تشير إلى أن الله عز وجل لم يخف الساعة إخفاء كاملًا فقد أعلنها، وبين كل ما يتعلق بها، وفصل كل ما يجزي فيها، ولكنه فقط أخفى موعدها، وهذا لكي يتحمل الإنسان المسؤولية كاملة في الحياة الدنيا، ذلك أنه لو عرف موعدها لأمضى قسماً كبيراً من عمره دون تحمل أي مسؤولية، إذن فإخفاء موعدها لابد منه لكي يكون الجزاء عادلًا، فالجزاء يأتي بعد تحمل المسؤولية وإلا فإنه سوف لن يكون له أي معنى إن كان ثواباً أو عقاباً. وهناك تفسير أعمق من هذا التفسير نجده في أحاديث أهل البيت عليهم السلام، حيث جاء في تفسير علي بن إبراهيم في قوله إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا قَالَ
[مِنْ نَفْسِي، هَكَذَا نَزَلَتْ
، قُلْتُ: كَيْفَ يُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِهِ؟!. قَالَ
جَعَلَهَا مِنْ غَيْرِ وَقْتٍ]
[٢]. وروي مثل ذلك عن ابن عباس، وهي كذلك في قراءة أُبَيٍ [٣].
[١٦] فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى والذي يؤمن بالساعة ويتذكرها دائماً يتبع برامج الله ويمتثل أوامره، وبالتالي يجد الفلاح، وإلا فإنَّ مصيره التردي والسقوط، ولو اتبع موسى هواه، ونسي ذكر الله، لهبط إلى الحضيض، كما حدث ذلك بالنسبة إلى بلعم بن باعوراء الذي أكرمه الله وأتاه علم الاسم الأعظم، ولكن حين اتبع هواه أخلد إلى الأرض، فجرَّده الله من كل ما أنعم عليه، ثم شبَّهه بالكلب وقال فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ [الأعراف: ١٧٦].
وبكلمة موجزة: فإنَّ ذكر الله يعني السعادة، والانصراف عن ذكره يعني الشقاء.
[١] الكافي: ج ٢، ص ٦٧.
[٢] بحار الأنوار: ج ١٣ ص ١٠٧، تفسير القمي: ج ٢ ص ٦٠.
[٣] بحار الأنوار: ج ١٣ ص ٨٩.