من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٥ - وأذن في الناس بالحج
مواضعه وهذه هي مشكلة الإنسان الرئيسية. حيث إن أصحاب السلطة قادرون على تحريف المناهج التي وضعت لإنقاذه منهم، بحيث لا تنفع، أو تكون أداة لتسلطهم عليه من جديد. ويبدو أن الآية هنا تحذِّر من هذه الحالة لكي لا يتحوَّل المسجد الحرام إلى مكان للظلم والإلحاد باسم جديد!
[٢٦] وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً لقد حدَّد الله سبحانه وتعالى مكان البيت الحرام، لإبراهيم عليه السلام لكي يرفع قواعده عالية شامخة، ولهدف معين هو: أن يكون البيت القاعدة الرئيسية أساس فكرة الشرك أولًا. ولإقامة منهج التوحيد الصحيح ثانياً. والواقع أن الكعبة المشرفة كانت موجودة من قبل إبراهيم عليه السلام ولكنها مع مرور الزمان، اندرست آثارها، ولم يبق لها رسم يدل عليها، ولم يكن إبراهيم عليه السلام ليعلم حدود البيت. كما إنه لم يكن باستطاعته أن يختار بيتاً حسب رأيه الخاص، لأن هذا الأمر يختص بالخالق العظيم، جلَّ شأنه- الذي له الأمر والخلق .. فحدَّد الله مكانها له ثم أمره قائلًا وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ أي طهِّر بيتي من الأدران المادية والأرجاس الوثنية. وقد ذكرت هذه الآية الحالات الأربع للعبادة عند المسجد الحرام، وهي: الطواف والقيام .. (الإقامة أو الدعاء والذكر) والركوع والسجود وهما يرمزان إلى الصلاة ويعبران عن الكثرة، وهذه العبادات ترمز إلى التوجه الخالص لله، والخضوع له والتسليم لأمره، و اتخاذ شريعته محوراً للحياة.
نداء الحج
[٢٧] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ جاء في الأثر عن عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي تَفْسِيرِهِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ الْآيَةَ قَالَ
لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ أَمَرَهُ اللهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ فَقَالَ يَا رَبِّ وَ مَا يَبْلُغُ صَوْتِي فَقَالَ اللهُ تَعَالَى أَذِّنْ عَلَيْكَ الْأَذَانُ وَعَلَيَّ الْإِبْلَاغُ وَارْتَفَعَ عَلَى الْمَقَامِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُلْصَقٌ بِالْبَيْتِ فَارْتَفَعَ بِهِ الْمَقَامُ حَتَّى كَانَ أَطْوَلَ مِنَ الْجِبَالِ فَنَادَى وَادْخَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ شَرْقاً وَغَرْباً يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَأَجِيبُوا رَبَّكُمْ فَأَجَابُوهُ مِنْ تَحْتِ الْبُحُورِ السَّبْعِ وَ
[مِنْ]
بَيْنِ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ إِلَى مُنْقَطَعِ التُّرَابِ مِنْ أَطْرَافِهَا أَيِ الْأَرْضِ كُلِّهَا وَمِنْ أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَ أَرْحَامِ النِّسَاءِ بِالتَّلْبِيَةِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ أَ وَ لَا تَرَوْنَهُمْ يَأْتُونَ يُلَبُّونَ فَمَنْ حَجَّ مِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَهُمْ مِمَّنِ اسْتَجَابَ
[لله]
وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى
فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ
يَعْنِي نِدَاءَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى الْمَقَامِ بِالْحَجِ][١].
[١] مستدرك الوسائل: ج ٩ ص ١٩٥.