من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٢ - وما أعجلك عن قومك يا موسى
قبل الانتهازيين، تشير الآيات إلى أن علاقة بني إسرائيل بموسى عليه السلام كانت علاقة بشخصه لا برسالته، مما أدى إلى انحرافهم بعد غيابه عنهم وتمردهم على خليفته هارون، وكان من الضروري تغيير هذه العلاقة، فأمر الله بمد غيبة موسى لهذا الهدف.
وقد انتقد النبي موسى عليه السلام هذا الوضع، وحذَّرهم من غضب الله أن يحل عليهم، وتساءل عن سبب هذه الردة .. وحينما حاول بنو إسرائيل التبرير احتجَّ عليهم الله بأنه أعطاهم عقولًا يميزون بها وكان ذلك أبرز حجة عليهم، أما الحجة الثانية فكان شخص هارون وصي موسى الذي نصحهم ولكنهم لم يسمعوا له.
بينات من الآيات
[٨٣]* وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى لماذا أسرعت إلي وتركتهم وراءك؟.
[٨٤] قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي أن قومي لا يزالون يقتفون أثري، ويسيرون على نهجي.
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى دفعني إلى العجلة حبي لك وشوقي للقائك، وهذه الآية توحي بمدى حب موسى لربه، حيث بادر إلى لقاء ربه، وكان على عجل لنيل رضاه سبحانه. وهكذا حال من ذاق حلاوة مناجاة ربه، وأنس بقربه، وتجلَّى الرب لقلبه، فسرى في إرجائه الوجل، واهتزت جنبات فؤاده بنور الشوق، فوجد من نور خالقه ما جذبه إلى ما يقربه إليه، ولاح له من جمال بارئه ما أنساه كل جمال.
لذلك كان رسول الله صلى الله عليه واله يجلس في محراب الصلاة على أشد من الجمر شوقاً إلى ميعاد اللقاء، فإذا حان وقت الصلاة هتف ببلال المؤذن
[أَرِحْنَا يَا بِلَالُ] [١].
وهكذا المؤمنون الصادقون يدعون الرب ليتجلى لقلوبهم بنور معرفته، فيكونون
[اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ دَأْبُهُمُ الِارْتِيَاحُ إِلَيْكَ وَ الْحَنِينُ وَ دَهْرُهُمُ الزَّفْرَةُ وَ الْأَنِينُ جِبَاهُهُمْ سَاجِدَةٌ لِعَظَمَتِكَ وَعُيُونُهُمْ سَاهِرَةٌ فِي خِدْمَتِكَ وَ دُمُوعُهُمْ سَائِلَةٌ مِنْ خَشْيَتِكَ وَقُلُوبُهُمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحَبَّتِكَ وَأَفْئِدَتُهُمْ مُنْخَلِعَةٌ مِنْ مَهَابَتِك ...]
. ويكررون أبداً
[يَا مَنْ أَنْوَارُ قُدْسِهِ لِأَبْصَارِ مُحِبِّيهِ رَائِقَةٌ وَسُبُحَاتُ وَجْهِهِ لِقُلُوبِ عَارِفِيهِ شَائِقَةٌ يَا مُنَى قُلُوبِ الْمُشْتَاقِينَ وَيَا غَايَةُ آمَالِ الْمُحِبِّين][٢].
[١] بحار الأنوار: ج ٧٩، ص ١٩٣.
[٢] الصحيفة السجادية، مناجاة المحبين.