من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٨ - إنك لن تستطيع معي صبرا
وهنا نود أن نذكر بأن اجتياز حاجز الجهل من قبل الإنسان عملية صعبة، ولا يمكن للإنسان أن يجتاز هذا الحاجز وهو خائر العزم، ذلك لأن الحصول على العلم بحاجة إلى اجتياز الحاجز النفسي بالإضافة إلى المساعي العملية فنرى أن موسى عليه السلام برغم أنه يقوم بسفرة طويلة طلباً للعلم، ويلاقي أنواع المشقة، وينسى غداءه، ويصحب معه فتاه، وهو نبي يقود أمة، وبرغم كل هذه الأعمال الجسدية، فإنه يحتاج أيضاً إلى جهود نفسية كبيرة تعتبر من وظيفة القلب أو بتعبير آخر تعتبر رحلة القلب، ويشير إليها القرآن الحكيم في هذه الآيات
[٦٨] وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً من المعلوم أن الخضر العالم لم ينسَ القدرة الحقيقة لموسى على الصبر، فموسى عليه السلام من الناحية الحقيقية والفعلية كانت عنده القدرة على الصبر، ولكن العالم يدرك أن عدم إحاطة الإنسان بشيء ما يجعل الصبر صعباً. كما أن غالب البشر لا يصبرون على صعوبات العلم، فالعلم يسبب لهم صدمة، ولأنه يسبب لهم ذلك فهم قد يكفرون به.
[٦٩] قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً وقد أعطى موسى تعهداً بالصبر والاتباع، فمثل العالم كمثل الشجرة المثمرة التي تهتز فتعطيك من ثمارها، والعالم يجب أن يبرمج منهاج تعليمك ولست أنت.
لقد ربط موسى عليه السلام صبره بالمشيئة الإلهية وقال سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً لأنه عرف أن من الصعب على الإنسان في هذه المواقف، أن يصبر على الصدمات التي يتلقاها بسبب معرفة الواقع المجهول.
[٧٠] قَالَ فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً إن العالم عليه السلام عندما اشترط على موسى هذا الشرط، فإنه كان يشير إلى أن على العلماء أن يضبطوا أمرهم مع المتعلم منذ البداية، على أساس أن العالم هو الذي يحدد المنهج
أولًا يخرق سفينة
[٧١- ٧٢] فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا هنا انفعل موسى عليه السلام بأخلاقه الرسالية التي كان يمارسها مع مجتمعه الإسرائيلي، ذلك المجتمع المائع الذي كان يستخدم معهم الشدة، بعكس الرسول محمد صلى الله عليه واله الذي كان يعيش في مجتمع خشن غليظ، فتسلح بالرأفة واللين، لذلك انفعل موسى وصاح غاضباً قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا وهو هنا لم يسأل حتى لماذا خرقتها، بل أنكر الموضوع رأساً، ولم يسكت على ذلك وإنما أعطى للعمل صبغة وهي أنه لم