من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٠ - جزاء المشركين
والذكر وكيفية الحصول عليهما، نجد تلخيصاً لهذين المبحثين.
الدرس الأخير يحدّثنا عن أولئك الذين يتخذون عباد الله من دونه أولياء ولعلَّ مناسبة الحديث ذكر قصة ذي القرنين صاحب السلطة الشاملة الذي لم يكن سوى عبد صالح. ولم يكن لأحد أن يعبده من دون الله وهكذا تخوف آيات هذا الدرس من يعبدون البشر، وتحذرهم بأن جهنم هي مصيرهم المحتوم، ثم تشير إلى جذر هذه المشكلة وهي التبرير والخداع الذاتي، حيث يعتبر ذلك في الواقع من أخطر الأمراض الفكرية التي تواجه البشر.
إن المصاب بهذا الداء يعتقد أن ما يعمله صالح، بينما هو في جوهره فاسد، وهكذا تصبح كل تطلعاته الخيرة وراء ذلك العمل، وتصبح وقودا للسير الحثيث في الطريق الخطأ، فلا يصل إلى شيء من أهداف، بل يجد كل الخسارة في انتظاره.
وهذا الداء لا يصاب به الإنسان إلا في المراحل المتقدمة من ضلالته، ففي البداية تظل النفس اللوامة تحذّره من الانحراف ونتائجه الوخيمة، ويطل ضميره يوبخه، كما أن عقله يظل يضيء له شيئا من الطريق الصواب، بالإضافة إلى أنه كثيراً ما يجد من ينصحه ويعظه ويبين له الحقائق، لهذا يبقى له أمل بأن يقوم ما أعوج من أمره.
ولكنه إذا استمر وعاند، فآنئذ يسلب الله منه ضميره وعقله، ويجعل على بصره غشاوة وفي سمعه وقراً، ويختم على قلبه، وينفض الناصحون من حوله، ليحل محلهم من يزين له السوء ويشجعه عليه، فينتهي به الأمر إلى أن يكون شيطاناً مريداً.
ثم يبين القرآن حقيقة هامة هي: إن ما يحسبه الإنسان ذا شأن خطير في حياته الدنيا، من مال، وبنين، وجاه، وسلطة وما أشبه هو عند الله تافه إلا إذا سار في طريقه المستقيم.
وفور ما يحدّثنا القرآن عن ضلالة الإنسان في الحياة الدنيا، يذكر لنا هذه الشهوات التي تحجب قلب الإنسان وتوقعه في وهدة الضلالة، وتكون السبب في وصوله إلى ذلك الدرك الأسفل، حيث يعمل شراً ويحسب أنه عمل صالحاً.
ثم يعرج القرآن إلى الجانب الآخر حيث المؤمنون الصالحون يسكنون الفردوس وهي أعالي الجنان، وحينما يدخل الإنسان ذلك المكان يجد أنه قد خلق له، فلا يجد في نفسه طمعاً ولا طموحاً ولا تطلعاً آخر، لأن جنة الفردوس هي في مستوى طموحاته وتطلعاته، ذلك الإنسان الذي لا يرضيه شيء في الدنيا، والذي إذا حصل على القارات السبع فانه يريد أن يصعد إلى النجوم ويحصل عليها، وعندما يرى الجنة يقول حقاً: كفاني ولا أريد عنها انتقالًا.